وأقول : إنّ معاوية وإن قال لسعد : إنهّ لم يسمع ذلك من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، إلّا أنهّ علم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال ذلك ، ولم يكن معتقدا بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، إلّا أنهّ قال ذلك لسعد جدلا ، حيث إنهّ أقرّ بسماعه واعتزله عليه السّلام . ويمكن أن يكون مراده عليه السّلام المتخلّفين عن القول بإمامته بعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وقد قال صلّى اللّه عليه وآله في المستفيض : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق ( 1 ) . « ما شككت في الحقّ مذ أريته » هذا الكلام تعريض بالمتقدّمين عليه ، فإنّهم نقلوا عن أبي بكر أنهّ تمنّى في حال احتضاره سؤال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : هل كان له حق في الخلافة أم لا ( 2 ) ونقلوا عن عمر أنهّ لمّا أشير عليه بنصب ابنه بعده قال : إن كان له فيها حقّ فحسب آل الخطاب بشخصه ، وإن لم يكن له حقّ فلم يتحمّل مظلمة ابنه ( 3 ) زائدة على مظلمته . كما أنهّ أقرّ أنهّ شكّ في حقّية الإسلام ، وحقّية النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يوم الحديبيّة ( 4 ) ، وأمّا هو - صلوات اللّه عليه - فكان على بيّنة من ربهّ من أولّه إلى آخره ، بقعوده أيّام الثلاثة ، وقيامه بعدهم ، وقتال النّاكثة ، والقاسطة ، والمارقة كالنّبي صلّى اللّه عليه وآله في مكّة وفي المدينة ، في قعوده أوّلا وقيامه أخيرا .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 12
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٢
هامش
( 1 ) هذا حديث السفينة مر تخريجه في أوائل هذا العنوان .
( 2 ) رواه الجوهري في السفينة : 39 ، والطبري في تاريخه 2 : 619 سنة 13 ، والمسعودي في مروج الذهب 2 : 301 ، وأبو عبيدة في الأموال ، والعقيلي في الضعفاء ، والطرابلسي في الفضائل ، والطبراني في معجمه الكبير ، وابن عساكر في تاريخه ، والضياء في المختارة عنهم منتخب كنز العمال 2 : 171 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 18 ضمن كلام طويل عنه « فوددت أني سألته هذا الأمر فكنّا لا ننازعه أهله » .
( 3 ) رواه الطبري في تاريخه 3 : 292 سنة 23 ، وابن النجار في تاريخه عنه منتخب كنز العمال 2 : 189 ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 : 24 ، والنقل بالمعنى .
( 4 ) صحيح البخاري 2 : 205 ، وصحيح مسلم 3 : 1411 ح 94 ، وسيرة ابن هشام 3 : 203 ، والمغازي للواقدي 1 : 606 ، 608 ، وتاريخ الطبري 2 : 280 سنة 6 .