المعضلات في زمن الثلاثة وردعهم عن خطأهم ، إلّا أنّ الظاهر أنّ مراده عليه السّلام هنا كيفيّة القتال مع أهل القبلة ، فلم يتّفق ذلك في زمان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى يعرفوا منه شيئا ، فلم يقاتل صلّى اللّه عليه وآله إلّا على التّنزيل ، وقتالاته عليه السّلام كانت على التّأويل ، حسبما أخبره بذلك ( 1 ) . « حيث تلتقون ولا دليل » لولاه عليه السّلام . « وتحتفرون ولا تميهون » أي : لا تصلون إلى ماء ، والجملتان كناية عن أنّهم كانوا يتفاوضون في الأحكام والمعضلات ولم يكونوا يحصلوا شيئا ، كمن في مفازة ولا دليل له ، وكمن يحفر لاستنباط ماء ولا يصل إلى ماء حتّى كان عليه السّلام يرشدهم ويهديهم . وإن أحببت عرفان ذلك فارجع إلى كتابنا في قضاياه عليه السّلام فإنهّ تكفل مقدارا من ذلك . « اليوم انطق لكم العجماء ذات البيان » قال ابن أبي الحديد : الجملة إشارة إلى الرموز التي تتضمنّها هذه الخطبة ، يقول : هي خفيّة غامضة ، وهي مع غموضها جليّة لأولي الألباب ، فكأنّها تنطق كما ينطق ذوو الألسنة ( 2 ) . وقال ابن ميثم : كنّى بالعجماء ذات البيان على الحال التي يشاهدونها من العبر الواضحة ، والمثلات التي حلّت بقوم فسقوا أمر ربّهم ، وعمّا هو واضح من كمال فضله عليه السّلام بالنّسبة إليهم ، وما ينبغي لهم أن يعتبروا من حال الدّين ، ومقتضى أوامر اللّه التي يحثّهم على اتّباعها ، فإنّ كلّ هذه الأحوال أمور لا نطق لها مقالي . فشبهها لذلك بالعجماء من الحيوان ، واستعار لها لفظها ،
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 10
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٠
هامش
( 1 ) انظر إلى حديث النّبي صلّى اللهّ عليه وآله : « إنّ منكم رجلا يقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » . أخرجه النسائي في الخصائص : 131 ، وأحمد بطريقين في مسنده : 33 ، 82 ، وأبو يعلى وابن أبي شيبة في مسنديهما ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في المستدرك ، وسعيد بن منصور في سننه ، والضياء في المختارة ، والبيهقي في الشعب ، وأبو نعيم في الحلية عنهم منتخب كنز العمال 5 : 33 ، 37 ، وابن أخي تبوك في مسنده ، منتخبه : 438 ح 23 وغيرهم .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 71 .