أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَأَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ - أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عزِتَّهِِ - لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صنَعْتَهِِ - وَلَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً معَهَُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ - بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يسَبْقِوُنهَُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بأِمَرْهِِ يَعْمَلُونَ ( 1 ) - جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وحَيْهِِ - وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أمَرْهِِ وَنهَيْهِِ - وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ - فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مرَضْاَتهِِ - وَأَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ - وَأَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ - وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تمَاَجيِدهِِ - وَنَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ توَحْيِدهِِ - لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ - وَلَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ - وَلَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ - وَلَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ - وَلَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ - وَلَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ معَرْفِتَهِِ بِضَمَائِرِهِمْ - وَمَا سَكَنَ مِنْ عظَمَتَهِِ وَهَيْبَةِ جلَاَلتَهِِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ - وَلَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْبِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ - مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ - وَفِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَفِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ - وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى - فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ - وَتَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ - تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ - قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عبِاَدتَهِِ - وَوَصَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ معَرْفِتَهِِ - وَقَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الوْلَهَِ إلِيَهِْ - وَلَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عنِدْهَُ إِلَى مَا عِنْدَ غيَرْهِِ - قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ معَرْفِتَهِِ - وَشَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ محَبَتَّهِِ - وَتَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 546
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٤٦
هامش
( 1 ) الأنبياء : 26 - 27 .