انتهائه محيطة به ( 1 ) . قلت : مقتضى كلامه أنّ اللّه تعالى أجرى الماء أوّلا في الهواء المجرّد بجعل الهواء حاملا له ، وأنّ الماء كان جاريا حينئذ على مقتضى طبعه من الحركة إلى السفل ، ثمّ حمله على ظهر الرّيح فقسرت جريه وعكسته ، مع أنّ ظاهر كلامه عليه السّلام أنّ جريه أوّلا في الهواء كان بتوسّط حمله على ظهر الرّيح ، فإنّ الظاهر أنّ قوله عليه السّلام : « حمله على متن الرّيح العاصفة . . . » حال من ( ماء ) في قوله : « فأجرى فيها ماء . . . » أي : أجرى الماء حاملا له على متن الريح ، ولو كان المعنى كما ذكر لقال عليه السّلام : ( ثم حمله ) . « الهواء من تحتها فتيق » أي : منشقّ . « والماء من فوقها دفيق » قال الجوهري : دفقت الماء أدفقه دفقا ، أي : صببته ، فهو ماء دافق ، أي : مدفوق ، كما قالوا : سرّ كاتم . أي : مكتوم ، لأنهّ من قولك : دفق الماء على ما لم يسمّ فاعله ( 2 ) . قلت : بل الظاهر أنّ قولهم : ماء دافق ، ومثله ماء دفيق ، كما هنا بمعنى وثّاب ، قال تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 3 ) . قال المجلسي في معنى قوله : « الهواء من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق » أي : الهواء الذي هو محلّ الرّيح مفتوق ، أي : مفتوح منبسط من تحت الرّيح الحاملة للماء ، والماء دفيق من فوقها ، أي : مصبوب مندفق ، والغرض أنهّ سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالرّيح الحاملة له ، كما ضبط الرّيح بالهواء المنبسط ، وهو موضع العجب ( 4 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 465
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٦٥
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، وقال عقيب كلامه في حديث الصادق عليه السّلام : « ويمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور » .
( 2 ) صحاح اللغة للجوهري 4 : 1475 مادة ( دفق ) .
( 3 ) الطارق : 5 - 6 .
( 4 ) بحار الأنوار 57 : 184 .