حصلت عندكم فأدخلوني الحمام واضربوني ليحمى بدني وسوّكوني بالايارج ، فإنّي أفيق ، وكان سمع أنّ من شرب أفيونا أسكت ، فإذا أدخل الحمّام وضرب وسوّك بالأيارج برأ ، فلم يعلم مقدارا لشربه ، فشرب أربعة دراهم ، فلم يشكّ الأكراد في موته ، فلفوّه في شيء وأنفذوه إلى أهله ، فلمّا حصل عندهم أدخلوه الحمّام وضربوه وسوكّوه ، فما تحرّك وأقام في الحمّام أيّاما ، ورآه أهل الطب فقالوا : قد تلف كم شرب قالوا : أربعة دراهم . فقالوا : هذا الوشوى في جهنّم ما عاش . إنّما يجوز أن يفعل هذا بمن شرب أربعة دوانيق أو وزن درهم أو حواليه . فأمّا هذا فقد مات . فلم يقبل أهله ذلك ، فتركوه في الحمّام حتّى أراح وتغيّر فدفنوه ، وانعكست الحيلة عليه . ومنها : روي أنّ بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ كان في حبس الحجّاج وكان يعذبّه ، وكان كلّ من مات في الحبس رفع خبره إلى الحجّاج ، فيأمر بإخراجه وتسليمه إلى أهله . فقال بلال للسجّان : خذ منّي عشرة آلاف درهم وأخرج اسمي إلى الحجاج في الموتى ، فإذا أمرك بتسليمي إلى أهلي هربت في الأرض ، فلم يعرف الحجّاج خبري ، وإن شئت أن تهرب معي فعلت وعليّ غناك أبدا . فأخذ السجّان المال ورفع اسمه في الموتى ، فقال الحجّاج مثل هذا لا يجوز أن يخرج إلى أهله حتّى أراه ، هاته . فعاد إلى بلال ، فقال : اعهد . قال : وما الخبر قال : إنّ الحجاج قال كيت وكيت ، فإن لم أحضرك إليه ميّتا قتلني وعلم أنّي أردت الحيلة عليه ، ولا بدّ أن أقتلك خنقا ، فبكى بلال وسأله أن لا يفعل ، فلم يكن إلى ذلك طريق ، فأوصى ، فأخذه السجّان وخنقه وأخرجه إلى الحجاج ، فلمّا رآه ميّتا قال : سلمّه إلى أهله ، فأخذوه ، وقد اشترى القتل لنفسه بعشرة آلاف درهم وجعلت الحيلة عليه ( 1 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 403
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٠٣
هامش
( 1 ) رواه ابن الجوزي في الأذكياء : 110 والنقل بتصرف يسير .