فإنّ كلامهم أثر يؤثرّه اصطكاك الأجسام في الهواء ، والهواء يؤديّه إلى المسامع ، وليس كلامه تعالى - والمراد كلامه التكويني - كذلك ليس فيه صوت يقرع ولا نداء يسمع ، بل هو فعله وخلقه كما قال . « وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثلّه » فله تعالى صفات ذات ، كالعلم والقدرة ، وصفات فعل ، كالمشيئة والإرادة وكلامه مع خلقه . « لم يكن » أي : ذاك الفعل الّذي أنشأه ومثلّه . « من قبل ذلك » أي : أنشأه تعالى . « كائنا » أي : موجودا . « ولو كان قديما » أي : وجد قبل . « لكان إلها ثانيا » مع اللّه تعالى . وقلنا : إنّ مراده عليه السّلام كلامه تعالى التكويني ، وأمّا كلامه التكليفي مع ملائكته ورسله فبايجاده الكلمات . ففي خبر عن الرضا عليه السّلام في موسى عليه السّلام : لمّا كلمّه اللّه تعالى ، وقربّه نجيّا رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ اللّه عزّ وجلّ كلمّه وقربّه وناجاه . فقالوا : لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه كما سمعت . وكان القوم سبعمائة ألف رجل ، فاختار منهم سبعين ألفا ، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف ، ثم اختار منهم سبعمائة ، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربهّ ، فخرج بهم إلى طور سيناء ، فأقامهم في سفح الجبل وصعد موسى عليه السّلام إلى الطور ، وسأل اللّه تعالى أن يكلمّه ، ويسمعهم كلامه ، فكلمّه اللّه تعالى وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ، ويمين وشمال ، ووراء وأمام ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة ، ثمّ جعله منبعثا منها ، حتّى سمعوه من جميع الوجوه ( 1 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 320
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٢٠
هامش
( 1 ) أخرجه الصدوق في التوحيد : 121 ح 24 وضمن حديث طويل في العيون 1 : 159 ح 1 ، ورواه الطبرسي في الاحتجاج 2 : 429 عن الرضا عليه السّلام ، وروى معناه المرتضى في تنزيه الأنبياء : 175 بلا عزو .