تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
مسندا عن أبي المعتمر مسلم بن أوس ، قال : حضرت مجلس عليّ عليه السّلام في جامع الكوفة فقام إليه رجل مصفر اللّون كأنهّ من متهوّدة اليمن . فقال : يا أمير المؤمنين صف لنا خالقك وانعته لنا كأنّا نراه وننظر إليه . فسبّح عليّ عليه السّلام ربهّ وعظمّه ، وقال : الحمد للهّ الّذي هو أوّل بلا بدء ممّا ، ولا باطن فيما ، ولا يزال مهما ، ولا ممازج مع ما ، ولا خيال وهما . ليس بشبح فيرى ، ولا بجسم فيتجزّى ، ولا بذي غاية فيتاهى ، ولا بمحدث فيبصر ، ولا بمستتر فيكشف ، ولا بذي حجب فيحوى . كان ولا أماكن تحمله أكنافها ، ولا حملة ترفعه بقوّتها ، ولا كان بعد أن لم يكن ، بل حارت الأوهام أن تكيّف المكيّف للأشياء ، ومن لم يزل بلا مكان ، ولا يزول باختلاف الأزمان ، ولا ينقلب شأنا بعد شأن ، البعيد من حدس القلوب ، المتعالي عن الأشياء والضروب ، الوتر علّام الغيوب . فمعاني الخلق عنه منفيّة وسرائرهم عليه غير خفيّة . المعرّف بغير كيفيّة ، لا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس ، ولا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأفكار ، ولا تقدرّه العقول ، ولا تقع عليه الأوهام . فكلّ ما قدرّه عقل أو عرف له مثل فهو محدود ، وكيف يوصف بالأشباح وينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال : هو عنها بائن ، ولم يخل منها فيقال : أين ، ولم يقرب منها بالالتزاق ، ولم يبعد عنها بالافتراق ، بل هو في الأشياء بلا كيفية ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، وأبعد من الشبه من كلّ بعيد . لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ، ولا من أوائل كانت قبله بدية ، بل خلق ما خلق وأتقن خلقه ، وصوّر ما صوّر فأحسن صورته . فسبحان من توحّد في علوهّ ، فليس لشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة أحد من خلقه انتفاع . إجابته للدّاعين سريعة ، والملائكة له في السماوات والأرض مطيعة . كلّم موسى تكليما بلا جوارح وأدوات ولا شفة ولا لهوات . سبحانه وتعالى عن الصفات ، فمن زعم أنّ إله