قال : وكم قدر الناظر قال : مثل العدسة أو أقل منها . فقال عليه السّلام له : يا هشام فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى . فقال : أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وبراري وجبالا وأنهارا . فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة ، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة . فأكبّ هشام عليه ، وقبّل يديه ورأسه ورجليه وقال : حسبي يا بن رسول اللّه ، ورجع إلى الدّيصاني فأجابه . فقال : ليس هذا من عندك ( 1 ) . الثامن : « وكلّ سميع غيره يصمّ » بالفتح ، كناية عن عدم السّماع « عن لطيف الأصوات ويصمهّ » بالضمّ « كبيرها » وأمّا هو تعالى فيسمع السرّ وأخفى ، وهو ما خطر بالقلب ( 2 ) ، « ويذهب عنه ما بعد منها » بخلافه تعالى ، فالقرب والبعد عنده سواء ، بل ليس عنده قرب ولا بعد . التاسع : « وكلّ بصير غيره يعمى » كناية عن عدم الرؤية « عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام » الظاهر سقوط ما يؤدّي معنى قوله عليه السّلام في السابق « ويذهب عنه ما بعد منها » فكما يذهب عن كلّ سميع غيره تعالى ما بعد من الأصوات ، كذلك يذهب عن كلّ بصير غيره جلّ وعلا ما بعد من الألوان ولو كانت واضحة ، والأجسام ولو كانت عظيمة ، فإنّ السّامعة والباصرة منّا محدودتان ، وغاية ما قالوا في القصص التاريخيّة : إنّ زرقاء اليمامة كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيّام ، وأنّها قالت لقومها جديس - لمّا بعث ملك
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 180
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٨٠
هامش
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 1 : 79 ح 4 ، والصدوق في التوحيد 122 ح 1 ، وحديث البيضة جاء بألفاظ أخرى ، منها : سؤال إبليس عيسى عليه السّلام أخرجه الصدوق في التوحيد : 127 ح 5 ، ومنها سؤال رجل عليّا عليه السّلام أخرجه بروايتين الصدوق في التوحيد : 130 ح 9 ، 10 ، وسؤال رجل الرضا عليه السّلام أخرجه الصدوق في التوحيد : 130 ح 11 .
( 2 ) قول الشارح إشارة إلى قوله تعالى : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فإَنِهَُّ طه : 7 ، وتفسيره بما خطر بالقلب مروي موقوفا عن علي بن إبراهيم وقتادة والحسن البصري وعكرمة ، يجيء تخريجه في العنوان ( 15 ) من هذا الفصل .