إن قلت : كيف تمّ هذا التفكيك بين حكمي العقل - إذ قلتم بأنّ العقل لا يحكم بدون تلك الخصوصية - والشرع - إذ جعلتم الحكم الشرعي هو البقاء تعبدا بالاستصحاب - مع إنّ الملازمة بين حكمي العقل والشرع ثابتة - إذا حكم العقل حكم الشرع ، هذه هي قاعدة الملازمة بينهما - ، وعليه فإذا كان العقل لا يحكم ببقاء الحكم عند انتفاء الخصوصية لاحتمال تبدل الموضوع كيف أجريتم الاستصحاب لاثبات الحكم إلى موضوع آخر غير موضوع الحكم الأول ؟ ! .
قلت : ذلك التفكيك بين حكمي العقل والشرع إنّما تمّ لأنّ الملازمة بين حكميهما إنّما هي ثابتة في مقام الاثبات والاستكشاف لا في مقام الثبوت والواقع ، أي أنّ للحكم العقلي مرتبتين : الأولى : مرتبة الواقع والثبوت ، وهي وجود الملاك الواقعي للحكم من المصلحة أو المفسدة الكامنة في الأفعال التي لم يطلع عليها العقل ، والثانية : هي مرتبة ادراك العقل للملاك فعلا ، وعلى وفق هذا الادراك يتم تحسين بعض الأفعال وتقبيح أخرى .
وان ملازمة اتباع الحكم الشرعي إنّما هي للحكم العقلي الواقعي الثبوتي ، فيكون ما هو ملاك حكم العقل واقعا هو بنفسه ملاك حكم الشرع ، ولا ملازمة في مرحلة الثبوت بين حكم الشرع وحكم العقل الفعلي ، وذلك لعدم توقف حكم الشرع في الواقع على حكم العقل الفعلي ، ولذا يكون حكم الشرع أعم من حكم العقل الفعلي ، نعم هناك ملازمة بين حكم العقل في مقام الكشف ولاثبات اي في مقام اكتشاف الملاك وبين ثبوت الحكم الشرعي ، بمعنى إذا كان الدليل على ثبوت الحكم الشرعي هو العقل حكم الشرع أيضا كما إذا كان الدليل على ثبوت الحكم الشرعي هو النص أو الاجماع ونحو ذلك حكم الشارع أيضا .
وعلى هذا : فإنّ القول بالتفكيك بين حكمي العقل والشرع إنّما صير إليه لان الملازمة بين حكمي العقل والشرع إنّما هي في مقام الاثبات والاستكشاف ، فإذا
تيسير الوصول إلى مطالب كفاية الأصول — صفحة 142
مساهمون: السيد علي الحلو
ص١٤٢