إذ لا معنى للتعبد المحض في عمل العقلاء به ، بل لا بدّ من استناد بنائهم هذا على منشأ عقلائي ، وهذا المنشأ العقلائي أحد أمور ثلاثة ، وهي : إنّ منشأ بنائهم على ذلك إمّا كان رجاء واحتياطا لاحتمال البقاء ، أو كان المنشأ لبنائهم هو حصول الاطمئنان أو الظن - ولو ظنا نوعيا - بالبقاء ، أو كان المنشأ لبنائهم على البقاء هو الغفلة عن حالة الشك الفعلي للبقاء كما هو الحال في حصول الغفلة لسائر الحيوانات دائما لأنها لا تلتفت إلى حالة الشك الفعلي عادة ، وفي الانسان أحيانا .
وثانيا : لو سلّمنا استقرار بناء العقلاء على العمل على وفق الحالة السابقة ، لكنه لم يعلم أنّ الشارع راض بهذا البناء العقلائي وهو ماض عنده ، ويكفي في الردع الشرعي عن مثل هذا البناء العقلائي ما دل من الكتاب والسنة على النهي عن اتباع غير العلم - كقوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
« 1 » - ، وما دل على ثبوت البراءة أو الاحتياط في موارد الشبهات ، وعليه فيجب اتباع هذه النصوص ، ولا وجه لاتباع هذا البناء الذي لا بدّ في امكان اتباعه من ثبوت ما يدل على إمضائه من الشارع ، فتأمل جيدا .
الوجه الثاني : إنّ الثبوت للشيء في السابق موجب للظن ببقائه في اللاحق ؛
لأنّ الأشياء عند ثبوتها في الخارج تبقى ما لم يطرأ ما يرفعها ، وعليه فعند عدم العلم أو الظن بطرو الرافع يحصل الظن ببقائها ، ولهذا الظن بالبقاء يحكم بالبقاء .
وفيه : منع كون مجرد ثبوت الشيء في السابق مقتض لحصول الظن - ولو ظنّا نوعيا - بالبقاء فعلا وفي ظرف الشك ، فإنّه لا وجه له - أي لدعوى اقتضاء الثبوت في السابق لحصول الظن في البقاء - أصلا إلّا كون الغالب فيما يثبت ويوجد من الأشياء ان يدوم مع احتمال وإمكان أن لا يدوم ، ودعوى كون الغالب فيما يثبت ان يدوم
هامش
( 1 ) الإسراء : 36 .