على كل مسلم » « 1 » - على وجوب التفقه والتعلم والمؤاخذة على ترك التعلم في مقام الاعتذار عن عدم العمل بسبب عدم العلم بقوله تعالى له - كما في الخبر : « هلا تعلمت » « 2 » ، فبهذه الآيات والروايات الدالة على وجوب التعلم والتفقه - والتعلم والتفقه يعني البحث عن مواد العلم والفقه في مظانه - نقيّد اخبار البراءة ، وذلك لقوة ظهور هذه الآيات والروايات في أن المؤاخذة في موارد الجهل إنّما كانت بسبب ترك التعلم والتفقة لا بسبب ترك العمل في الموارد المعلومة الوجوب ولو بالعلم الإجمالي .
وعليه فلا مجال للتوفيق بين هذه الآيات والروايات وبين أدلة البراءة ، بحمل هذه الآيات والروايات على إن العقوبة والمؤاخذة التي فيها هي فيما إذا علم إجمالا ، وحمل أدلة البراءة على عدم العقوبة والمؤاخذة إذا كانت الشبهة بدوية ، بل التوفيق بينهما هو ما ذكرنا من تقييد أدلة البراءة بوجوب الفحص المستفاد من هذه الآيات والروايات ، فافهم .
ولا يخفى اعتبار الفحص في التخيير العقلي عند دوران الأمر بين المحذورين أيضا - أي كما اشترطنا اعتبار الفحص قبل جريان البراءة العقلية والنقلية - ، وذلك لعين ما ذكر في البراءة العقلية ؛ لأنّ العقل كما إنه لا يستقل في الحكم بالبراءة إلّا بعد احراز عدم جود البيان لأنّ موضوع البراءة العقلية هو قبح العقاب بلا بيان ، فكذلك العقل لا يستقل بالحكم بالتخيير بين المحذورين إلّا بعد إحراز عدم وجود مرجّح لأحد الاحتمالين على الآخر ، إذ مع وجود المرجح لأحدهما تعين الأخذ به وخرج عن كونه ترجيح بلا مرجّح ، وأمّا مع عدم المرجح تعين التخيير ، وعدم المرجح لا يثبت إلّا بعد الفحص واليأس عن وجوده .
هامش
( 1 ) وغيره ممّا رواه الكافي في كتاب فضل العلم ، باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه ، ج 1 ص 30 ،
( 2 ) أمالي الطوسي : ج 1 ص 9 ، وتفسير الصافي : ذيل الآية 149 من الأنعام ج 2 ص 169 .