وذلك لما مرت « 1 » الإشارة إليه من أنّ العقل الحاكم بقبح العقاب بلا بيان فإنّه لا يستقل بجريانها في المورد المشكوك إلّا بعد الفحص واليأس عن الدليل ، وأمّا قبل الفحص واليأس فإنّ العقل لا يقول بالبراءة وقبح العقاب ، بل يقول لعل الدليل على التكليف موجودا في مورد الشك فيكون بيانا .
وأمّا البراءة النقلية :
فمقتضى إطلاق أدلتها - ك ( رفع ما لا يعملون ) و ( كل شئ لك حلال حتى تعرف أنّه حرام بعينه ) وغيرهما - وإن كان هو عدم اعتبار الفحص في جريان البراءة كحال جريان البراءة النقلية قبل الفحص في الشبهات الموضوعية ، فإنّ الماء أو الثوب المشكوك النجاسة تجري فيه أصالة البراءة وإن لم يفحص عن النجاسة ، وهذا بخلاف البراءة العقلية فإنّها مشروطة بالفحص واليأس في الشبهات الموضوعية أيضا كما في الشبهات الحكمية ، لما تقدم من عدم استقلال العقل بجريانها إلّا بعد الفحص واليأس .
إلّا أنّه قد استدل على اعتبار الفحص قبل جريان البراءة النقلية بالاجماع : على إنّه منعقد على شرطية الفحص قبل جريان البراءة النقلية ، وبالعقل : على إنه علم إجمالا بثبوت تكاليف إلزامية في موارد الشبهات إذ لو فحص عنها لحصل عليها ، ولذا فلا يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص - وهذا ما تقدم بيانه - .
ولا يخفى ان الاجماع الحجة الكاشف عن شرطية الفحص قبل البراءة النقلية غير حاصل ، وذلك لعدم كون المقام من المسائل الشرعية المحضة ، بل هذا المقام مما للعقل إلى إدراكه سبيل - كما تقدم من شرطية الفحص بعد كون هناك علما إجماليا
هامش
( 1 ) مرت في الاستدلال على البراءة بالدليل العقلي .