لانّه خلق الجهات ليكون يتسعك في حركاتك ، وقسم الجهات إلى ما لم يشرّفها وإلى ما شرّفها ، بان وضع فيها بيتا أضافه إلى نفسه استمالة لقلبك إليه ، لتقيّد به قلبك ، فيتقيد بسببه بدنك في تلك الجهة على هيئة الثبات والوقار إذا عبدت ربك .
وكذلك انقسمت افعالك إلى ما هي شريفة كالطاعات ، وإلى ما هي خسيسة كقضاء الحاجة ورمى البزاق ، فإذا رميت بزاقك إلى جهة القبلة فقد ظلمتها وكفرت نعمة اللّه عليك بوضع القبلة التي يوضعها كمال عبادتك .
وكذلك إذا لبست خفّك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت ، لانّ الخف وقاية للرجل ، فللرجل فيه حظّ والبداية في الحظوظ ينبغي أن يكون بالأشرف ، فهو العدل والوفاء بالحكمة ، ونقيضه ظلم وكفران لنعمة الرجل والخف ، وهذا عند العارفين كبيرة وإن سمّاه الفقيه مكروها ، حتى أن بعضهم « 1 » جمع اكرارا من الحنطة وكان يتصدّق بها ، فسئل عن سببه فقال لبست المداس « 2 » مرّة فابتدأت بالرّجل اليسرى سهوا ، فأريد أن اكفّره بالصدقة .
نعم الفقيه لا يقدر على تفخيم الأمر في هذه الأمور ، لأنه مسكين يلي باصلاح العوام الذين يقرب درجتهم من درجة الأنعام فهم منغمسون في ظلمات أطمّ « 3 » وأعظم من أن يظهر أمثال هذه الظلمات بالإضافة إليها ، فقبيح أن يقال الذي شرب الخمر واخذ القدح بيساره فقد تعدّى من وجهين أحدهما الشرب ، والآخر
هامش
( 1 ) لم نعثر عليه في المصادر .
( 2 ) « القاموس المحيط » ج 2 ، ص 217 : والمداس كسحاب : الذي يلبس في الرّجل .
( 3 ) نفس المصدر ، ج 4 ، ص 145 : الماء طمّا وطموما : غمر ، والإناء : ملأه ، والشيء :
كثر حتّى علا وغلب .