على عباده لإصلاح النظام وقمع الشقاق والخلاف ورفع التفرقة والفساد وغير ذلك من الحكم والمصالح التي لا تخص جيلًا دون جيل ، ولا تختص بزمان دون زمان .
مضمون رسالة أيّهما ؟
وقد افتتح تلك الرسالة مؤلفها بقوله ( أيهما ؟ ) .
وخلاصتها تفضيل المسيح ، وأنه المخلّص الوحيد دون غيره ، والمكفر لخطايا العالم دون سواه ، وإنكار الآيات البينات والمعجزات النيّرات لمحمد ( ص ) ، وأنّه كيت وكيت مما ينزّه عنه سموُّ مقاماته ، ويبرّأ عنه قداسة ذاته .
وقد أزعج ذلك من عثر بها ووقف عليها ، وهو شاب مسمّى بغدادي ، قد اهتدى إلى الإسلام بفطرته السليمة وعقله المستقيم - والإسلام نور يقذفه الله في قلب من شاء .
فطلب مني التعرض لنقدها وإبانة غيّها من رشدها ، وألحَّ عليَّ في ذلك المأزق الحرج والمحل المحفوف بالمخاوف والأخطار - ؛ لأنّ محلّنا كان خطّة حرب وميدان طعن وضرب - .
فاعتذرته عن ذاك بما هناك ، وأعلمته ان ما في تلك الرسالة ليس بشيء استجدّه مؤلفها بفكرته ، وابتدعه بفطنته ، بل هو أمرٌ طالما كرّره المسيحيون مطنبين فيه تارة وموجزين فيه تارة أخرى ، ولم يزد على ما ذكروه في أول الأمر وسالف العهد - مع طول المدة وكثرة البحث وسعة الاطلاع وإجالة الفكر - .
وإنما حججهم تلك الحجج الداحضة ، وبراهينهم تلك البراهين الفارغة ، ولكنهم يطيلون ويختصرون ويقدمون ويؤخرون ، بكيفيات مختلفة وعبارات شتى وأسماء متباينة والمعنى واحد لم يتعدد ، والحجة واهنة لم تتأيد .
وقد أسمعهم أهل الحق ما هو الحق ، وأجابوهم عن جميع ذلك ، حتى أزالوا الشبهة ، ونفوا الريب ، وأناروا الحق ، وأوضحوا الأمر ، حتى تمت الحجة ، وتبين الرشد من الغيّ .
ولما عدت إلى وطني تكرر عليَّ السؤال والطلب ، فاستخرت الله ، وتوكلت عليه ، سالكاً نهج الحق ، متبعاً نير البرهان ، متنكباً طريق التعصب والعناد .