ولا يخفى أنّ الأمكنة المذكورة إذا قسناها إلى منازل بني إسرائيل في ( رعميس ) من ارض مصر فإنّ أقربها إليهم يبعد عنهم نحو طريق سبعة أيام أو ثمانية بالسير الحثيث سيما إذا كان السائرون مشاة مع عيالاتهم وأطفالهم وغنمهم . وانّ المسافة : إلى أواسط الأمكنة المذكورة تبلغ طريق أثني عشر يوماً والى أطرافها تبلغ طريق خمسة عشر يوما . وأيضاً إنّ ( حوريب ) يبعد عن منازل بني إسرائيل في مصر بطريق ثمانية أيّام أو أكثر والتوراة تقول إنّ بني إسرائيل قطعوه بثلاثة عشر منزلًا في أكثر من شهرين كما يعرف ذلك من الإصحاح التاسع عشر من سفر الخروج « 1 » والثالث والثلاثين من سفر العدد « 2 » فإذا عرفت أَنّ وعد الله لموسى هو إخراجهم إلى أرض فلسطين وشرقي الأردن وعرفت المسافات التي ذكرناها فاعلم أَن التوراة تذكر أيضاً في الإصحاح الثالث في العدد الثامن عشر على اثر الكلام المتقدم ذكره أَن الله قال لموسى ما نصه : « فإذا سمعوا لقولك ( يعني بني إسرائيل ) تدخل أنت وشيوخ بني إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون له اله العبرانيين ألتقانا فالآن نمضي طريق ثلاثة أيام ونذبح لله إلهنا » « 3 » .
وإذا عرفت أَن وعد الله لموسى هو إدخال العبرانيين إلى ارض فلسطين ، وعرفت المسافات المذكورة ، فكيف يأمر الله موسى وبني إسرائيل أَنْ يكذبوا ويقولون : ( نمضي طريق ثلاث أيام ) ؟ ! مع إن التوراة ذكرت في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر العدد في العدد الثامن إن ما بين معبر بني إسرائيل من البحر وبين ( ماره ) هو طريق ثلاثة أيام « 4 » ، ولا يخفى انه لا يزيد على العشرين فرسخا . فأين يكون طريق الثلاثة أيام فيما يزيد الثمانين فرسخاً إلى إن يبلغ في ارض فلسطين وعبر الأردن نحو مائة وخمسين فرسخاً . فيا للعجب .
أفليست هذه التوراة تقول إنّ الله افتتح إرساله إلى موسى بالتعليم بالكذب الصريح مرتين ، وتقول التوراة في الإصحاح الخامس من سفر الخروج في العدد الثالث إن موسى
هامش
( 1 ) التوراة ، الخروج الإصحاح التاسع عشر ، 117 - 118 .
( 2 ) ألتوراة ، العدد الإصحاح الثالث والثلاثين ، 270 .
( 3 ) التوراة ، الخروج 13 : 18 ، 91 .
( 4 ) التوراة ، الخروج 23 : 8 ، 270 .