الجواب الثالث
وأما ( ثالثاً ) : فلو سلمنا ارتكاب جميع الأنبياء للخطايا وانهم ما تابوا أو لم تقبل توبتهم ، ولكنا لا نسلم ان نبينا محمداً ( ص ) قد شاركهم في ذلك ، بل هو سيد المرسلين وأشرف النبيين ؛ لأنه ما قارف خطأً ولا خطيئة ، ولا ارتكب حراماً ، ولا مكروهاً .
وكل ما ورد في القرآن الكريم مما يتخيل منه نسبة الذنب اليه فهو ناشىء من سوء الفهم ، وقلّة التدبّر في فصاحة القرآن ، وبلاغته ، وتحصيل كمين مقاصده من رصين عبارته ، ومكين آياته : مثل قوله تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
« 1 » ) .
تفسير بعض الآيات التي قد يفهم منها نسبة الخطأ للرسول الأعظم ( ص )
فان المراد ليس ذنبه إلى الله سبحانه ، بل ذنوبه عند أهل مكة التي يعدونها عليه من قطع أرحامهم ، وسب آلهتهم ، وكسر أصنامهم .
فلما فتح الله له مكة ومكّنه من رقابهم ، وعفى عنهم عرفوا شرف جوهره ، وطيب عنصره ، وغفرت ذنوبه إليهم ، وما يفترون عليه من زعم جنايته عليهم .
فالمراد ليغفر لك عند أهل مكة ما تقدم من ذنبك إليهم قبل الهجرة وما تأخّر عن الهجرة كوقعة بدر التي قتل النبي ( ص ) وأصحابه فيها صناديد قريش .
ولولا إرادة هذا المعنى لم يكن بين الجملتين ربط ونسبة كما لا يخفى على العارفين بأساليب العربية .
ومثلها قوله تعالى
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى
« 2 »
.
فان المراد - بحكم سياقها - أنه وجدك متحيراً في طريق سيرتك ، وخطتك مع قومك وعشيرتك ، الذين وقفوا حجر عثرة في طريقك ، ونشر دعوتك ، وأنّك لا تدري كيف التخلص
هامش
( 1 ) سورة الفتح : 1 - 2 .
( 2 ) سورة الضحى : 7 .