والشاعر ليس من الذين ينسون عذوبة الحبّ بل إنّه ملازم للحبّ ، ويعشق حبيبته ولا يخجل من أن يناديها بأعلى صوت أو أن ينشر هذا الحبّ على الأوراق والكتب ، وأكثر من ذلك يُعدّ افتقاره من الحب عُدْماً لا يُساويه شيء :
إنْ كُنْتِ نَسِيتِ عُذُوبَتَها * وَاللهِ أَنا لَسْتُ بِناسِ
أَنَا عَنْ وَجْدِي لا أَتَخَلّى * لَنْ أَتَخَلّى عَنْ أَنفاسِي
( إِنّي أَهْواكِ ) لأَكتُبَها * فَوقَ قُصَاصَاتِ القِرْطاسِ
وَلأُعْلِنُها وَأُرَدِّدْها * لِحَمامَةِ شِعْرِي الْمَيّاسِ
وَأقُولُ لَها دُونَ رِياءٍ * لِجَميلةِ لَيلةِ أَعْراسي
إِفْلاسي مِنْ حُبِّ حَبِيبي * في الدُّنيا غايَةُ إِفلاسِي
( المصدر نفسه 22 - 23 )
14 - 2 - 4 . ( الفراق )
إنّ من جملة المضامين التي نجد في شعر العاشوري هي موضوع الفراق . فنرى في قصيدة له عنوانها " غُولُ النَّوى " يتكلم فيها عن ألم الفراق وأنّه لا يفارقه أبداً ، ومهما يحاول أن ينقذ نفسه فلا يقدر على ذلك . وهذا الفراق - وعلى حدّ قول الشاعر غول النّوى - يغري حبيبته بالرّحيل إلى أقصى الأرض دون أن تُخبر الشاعر بذلك . وبما أنّ الشاعر يَهوى حبيبته ويحبّها كثيراً فيبدأ طوال اليوم بالبحث عنها وقلبه يخفق هيجاناً واضطراباً . وفي الليل عندما يجدها في خياله يراها تَبكي وببكاؤها تُبكي قلبه الدامي لكنه يستمع إلى شكواها كالأب الحنون طول الليل ويقدِّم لها الرّاح الشَّهيَّ وعندما ينتهي الليل ويقرب الصباح ينظر فلا يرى المحبوبة بل يرى النّوى كالغُولِ قُدامه تغري حبيبته بتركه من جديد :
تَمْشِي النَّوَى خَلْفِي وَقُدّامِي * لا سَهْمَ يَقتُلُهَا وَلا رامِ « 1 »
في اللّيلِ أتْرُكُها بِلا رَمَقٍ * فَإذا بِها في الصُّبْحَ قُدّامِي
تُغْرِي الْحَبِيبةَ بِالرَّحِيلِ إلى * أَقْصَى الْبَسِيطةِ دُونَ إعْلامي « 2 »
هامش
( 1 ) - النوى : البعد .
( 2 ) - تغري : تولع ، تحضّ ، تشجّع .