فنية خالدة ، وعلى قدر علمه باللغة يتميز إبداعه الشعري ، واللغة علم مستقل بعيد عن الفن ، ولهذا تميز أصحاب الإبداع الشعري عن غيرهم من أصحاب الفنون الأخرى ، ونالوا الشهرة والحظوة والتمييز . . . ليس هذا ما أقصد إليه ، ولا أريد الخوض فيه ، فذاك شأن آخر ، ولكني ما أردت قوله هو أنّ الشاعر إذا تمكن من هذه الأداة جاء بما يسحر به القلوب ، ويسلب الألباب ، وما لم يأت به آخرون ، ويموت الشعر والشاعر إذا لم يكن له عمق لغوي بكل ما في الكلمة من معنى .
وقد جمع الخاقاني بينهما . . . فكان شاعراً مبدعاً ، وعالماً لغوياً أصيلًا ، أعادني إلى تلك العصور الزاهرة المشرقة التي تجلت فيها الحضارة الإسلامية بأبهى صورها ، ولا زلنا نعيش على تلك المنجزات في كل صنوف العلوم . لقد أعادني كاتب هذه القصائد إلى عنفوان التاريخ ، ونصاعته ، وجلاله . واقتلعني من حاضري الهش إلى تلك الأعماق السحيقة . . . ، وليس غريبا أو بعيدا ذلك النبوغ الذي تميز به ، ولا شك فقد لعبت أصفهان خاصة ، وبلاد فارس عامة دورا رئيسا في بناء الحضارة الإسلامية ، والشواهد على ذلك تعز عن الوصف ، ولا يمكن أن ننكرها ، أونتجاهلها ، أو نمر بها مرور الكرام ، فهي ثابتة الأركان ، عالية البنيان . ولا نبالغ إذ قلنا بأن أغلب منجزاتنا تعود إلى تلك الفترة الزاهرة التي صهر الإسلام فيها الحضارات والنفوس ، فأبدعت ، وتجلّت تلك الشعلة التي أضاءت العالم تحت شعار
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )
( الحجرات 3 ) " وتحت شعار " لا فَرْقَ لِعَرَبِي عَلَى عَجَمِي إلا بِالتّقْوَى " و " النّاسُ سُواسِيةٌ كَأَسْنانِ الْمُشْطِ " و " سَلْمانُ مِنّا أهْلِ البَيتِ " و . . .
لست بدعا على هذا العلم أيها الشاعر ! فأنت خليفة ابن فارس الذي جاء بما لم يأت به الأولون والآخرون من نظريات لغوية إبداعية جديدة ، وخليفة الأصفهاني صاحب أكبر موسوعة أدبية تاريخية حتى الآن في عصر كان فيه أصحاب الحضارة اليوم لا يعلمون من أمرهم شيئا . وخليفة الجرجاني واضع أول علم في العربية بنظرياته اللغوية ، وبخاصة نظرية النظم التي أخذها علماء الغرب وبنوا عليها ما أسموه علم اللغة البنائي ، وخليفة سيبويه صاحب الكتاب . . .