وكان النقّاد القدامى يعجبون بالإيجاز في الهجاء إعجاباً حيث جعلوا قلّة الألفاظ تجمّل معانيه ، لأنّها تؤدى الغرض منه كغيره من أغراض الشعر الأخرى كما ذكر صاحب كتاب نقد الشعر : « ومن الهجاء ما تجمل المعاني كما يفعل في المدح ، فيكون ذلك حسناً إذا أصيب به الغرض المقصود مع الإيجاز في اللفظ » . « 1 »
تمّثل المقطوعات الهجائية عند شعراء الشيعة هذا الاتّجاه أحياناً كثيرة ، ومن شواهدها قول دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم : « 2 »
قَدْ قُلْتُ إذْ غَيَّبُوهُ وَنْصَرَفُوا * في شَرِّ قَبْرٍ لِشَرِّ مَدْفُونِ
إذْهَبْ إلَى النّارِ وَالعَذْابِ فَمَا * خِلْتُك إلّا مِنَ الشّيّاطينِ
ما زِلْتَ حَتّى عَقدْتَ بَيَعةَ مَنْ * أضَرَّ بِالمُسلِمينَ وَالدّينِ
وأحياناً نرى دعبلًا الخزاعي يعتمد في مقطوعاته الهجائية على التكثيف إذ يترك القارئ والنصّ معاً حتّى يتمّ المراد من البيت . ونجد هذا الأمر في هجاء المتوكل عندما قال : « 3 »
وَلَستُ بِقائِلٍ قَذعاً وَلكنْ * لِأمرٍ ما تَعَبَّدَك العَبِيدُ
رسم دعبل صورة بسيطة في هجاء الخليفة واعتبره رغم موته صورةً للطاغية المستبدّ الشرير وطلب له العذاب في نار جهنّمَ التي يستحقّها الشياطين والطغاة والظالمون .
وأحياناً لجأ بعض الشعراء في مقطوعاتهم الهجائية إلى إيصال رسالة من خلال نقدهم الاجتماعي لبعض خلفاء بني العباس ، وكشف تصرفاتهم وفضحها أمام الناس بصورةٍ موجزةٍ . للسيّد الحميري مقطوعة قصيرة تناول فيها سوّاراً القاضي بالنقد وخاطب فيها أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي : « 4 »
لا تَسْتَعِنْ بِخِبِيثِ الرَّأىِ ذِي صَلَفٍ * جَمِّ العُيُوبِ عَظِيمِ الكبرِ جَبَّارِ
هامش
( 1 ) - قدامة ، ص 115 .
( 2 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 299 .
( 3 ) - السابق ، ص 171 .
( 4 ) - الحميري ، الديوان ، ص 171 .