والخفاء . ولا يخفى أن الأصوات الطبيعية لا تكاد تخرج عن صوت بسيط ، إذا صوّر باللفظ لم يكد يعدو هجاء واحدا ، ولذلك كان أصل المواد في أقدم اللغات لا يكاد يخرج عن الحرفين . وآثار هذا في لغتنا أكثر من أن تحصى وذلك كقولهم : خرّ الماء ونشّت القدر وصرّ الجندب وماء السنور ورنّت القوس وطنّ الذباب وبحّ الصوت ومصّ فلان الشراب ورشّ الماء وفشّ الوطب وهدّ البناء وشقّ الثوب وهلم جرا مما لا شك في كونه مأخوذا عن الأصوات الطبيعية لظهور حكايتها فيه . وهذا هو القول الشائع عند جمهور علماء الألسنة . وإليه مال ابن جني وغيره من المحققين . واستدل بعضهم على صحته باللغة المكتوبة المعروفة بالهيروغليف . قال : فإن ما وجد من هذه الكتابة بمصر والصين والمكسيك يعبر فيه عن الضوء مثلا بالشمس وعن الليل بالقمر أو جماعة من الكواكب وعن المشي برسم ساقي رجل في حال الحركة إلى غير ذلك مما نقلت فيه الصور الطبيعية ، وجعلت دلائل على معانيها . فأجر باللفظ أن يكون مأخوذا على هذا المثال . ثم لما كانت المعاني لا تنتهي إلى حدّ تقف عنده ، وهذه التراكيب الثنائية محصورة في صور معلومة لا يتعداها ما في آلات الصوت من المقاطع ضاقت الألفاظ بالمعاني واعوزت الزيادة منها للإبانة عن كل ما يمر بالنفس ويقع تحت الحسّ . ولا يخفى أن المعاني على كثرتها وتباينها متفرعة بعضها عن بعض وراجعة بالجملة إلى أجناس تتسرب كل طائفة منها تحت جنس . وذلك أن القطع مثلا يأتي على ضروب شتى كأن يكون بترا أو كسرا أو هدما أو فسخا أو قلعا ، وكأن يكون ما وقع عليه طويلا أو عريضا أو لينا أو صلبا . وكأن يكون باليد أو بالآلة إلى غير ذلك من الوجوه والاعتبارات المختلفة ، إلا أنه بجملته منته إلى القطع ، وداخل تحته . وقس على ذلك سائر أمهات المعاني وفروعها . وقد سبق لنا أنهم راعوا في وضع الألفاظ مناسبة مدلولاتها . فلما كانت المعاني متفرعة على هذا النحو متسلسلة كل طائفة منها عن أصل ، اقتضت المناسبة أن يفرّعوا الألفاظ الدالة عليها كذلك ، فاعتبروا كل واحد من تلك الأوضاع الثنائية أصلا في مدلوله ثم فرّعوا عليه سائر الأوضاع الأخر بأن زادوا عليه مقطعا ثالثا تحصلت به صور جديدة من اللفظ دلوا بها على المعاني المتفرعة من ذلك المدلول . ( فؤاد أفرام البستاني 41 / 17 - 23 )
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 215
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص٢١٥