تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
تلقّيه باعتقاده والانطواء على القول به . فإن قيل : فاللغة فيها أسماء وأفعال وحروف وليس يجوز أن يكون المعلم من ذلك الأسماء وحدها دون غيرها ، مما ليس بأسماء ، فكيف خصّ الأسماء وحدها ؟ قيل : اعتمد ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل الثلاثة . ولا بد لكل كلام مفيد منفرد من الاسم . وقد تستغنى الجملة المستقلة عن كل واحد من الفعل والحرف . فلما كانت الأسماء من القوة والأولية في النفس والرتبة على ما لا خفاء به كاز أن يكتفى بها عما هو تال لها ومحمول في الحاجة إليه عليها . قال : ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيا وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة . قالوا : وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات . فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا ، إذا ذكر عرف به ما مسمّاه ، ليمتاز عن غيره ، وليغنى بذكره عن إحضارن إلى مرآة العين . فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلّف إحضاره ولا إدناؤه كالفاني وحال اجتماع الضدين على المحلّ الواحد . وكيف يكون ذلك لو جاز وغير هذا مما هو جار في الاستحالة والتعذر مجراه . فكأنهم جاؤوا إلى واحد من بني آدم فأومأوا إليه وقالوا : إنسان ، إنسان ، إنسان . فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق . وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك فقالوا : يد ، عين ، رأس ، قدم ، أو نحو ذلك . فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معنيّها . وهلم جرا فيما سوى ذلك من الأسماء والأفعال والحروف . ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها فتقول : الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه « مرد » والذي اسمه رأس فليجعل مكانه « سر » وكذلك لو بدئت اللغة الفارسية فوقعت المواضعة عليها لجاز أن تنقل ويولّد منها لغات كثيرة من الرومية والزنجية وغيرهما وعلى هذا ما نشاهده الآن من اختراع الصناع لآلات صنائعهم من الأسماء كلانجار والصائغ والحائك والبناء وكذلك الملّاح قالوا : ولكن لا بد لأولها من أن يكون متواضعا عليه بالمشاهدة والإيماء . قالوا : والقديم سبحانه لا يجوز أن يوصف بأن يواضع أحدا على شيء ، إذ قد ثبت أن المواضعة لا بد معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشار نحوه . قالوا : والقديم سبحانه لا جارحة له فيصحّ الإيماء والإشارة منه بها فبطل عندهم أن تصحّ