القرن العاشر
المزهر : لعبد الرحمن جلال الدين السيوطي
النص :
في بيان واضع اللغة : أتوقيف هي ووحي ؟ أم اصطلاح وتواطؤ ؟ قال أو الحسين أحمد بن فارس في فقه اللغة : اعلم أن لغة العرب توقيف ودليل ذلك قوله تعالى :
( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) .
فكان ابن عباس يقول : علمه الأسماء كلها وهذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها . وروى خصيف عن مجاهد : علمه اسم كل شيء . وقال غيرهما : إنما علمه أسماء الملائكة . وقال آخرون : علمه أسماء ذريته أجمعين . قال ابن فارس : والذي نذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس . فإن قال قائل : لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال ( ثم عرضهن أو عرضها ) . فلما قال ( عرضهم ) علم أن ذلك لأعيان بني آدم أو الملائكة . لأن موضوع الكناية في كلام العرب أن يقال لكا يعقل : ( عرضهم ) ولما لا يعقل : ( عرضها ) أو ( عرضهن ) . قيل له : إنما قال ذلك والله أعلم لأنه جمع ما يعقل وما لا يعقل . فغلّب ما يعقل وهي سنة من سنن العرب . وذلك كقوله تعالى :
( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ . . فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ ) .
فقال : ( منهم ) تغليبا لمن يمشي على رجلين وهم بنو آدم . فإن قال : أفتقولون في قولنا سيف وحسام وعضب إلى غير ذلك من أوصافه إنه توقيف حتى لا يكون شيء منه مصطلحا عليه ؟ قيل له : كذلك نقول . والدليل على صحته إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه . ثم احتجاجهم بأشعارهم . ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأولى منا في الاحتجاج لو اصطلحنا على لغة اليوم . ولا فرق . ولعل ظانا يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد وليس الأمر كذلك بل وقف الله عز وجل آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلّمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشر من ذلك ما شاء الله ثم علّم