تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
بعد آدم من الأنبياء صلوات الله عليهم نبيا نبيا ما شاء الله أن يعلّمه ، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فآتاه الله من ذلك ما لم يؤته أحدا قبله تماما على ما أحسنه من اللغة المتقدمة . ثم قرّ الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت . فإن تعمّل اليوم لذلك متعمّل وجد من نقّاد العلم من ينفيه ويردّه . ولقد بلغنا عن أبي الأسود الدؤلي أن امرءاً كلّمه ببعض ما أنكره أبو الأسود فسأله أبو الأسود عنه . فقال : هذه لغة لم تبلغك . فقال له : يا بن أخي إنه لا خير لك فيما لم يبلغني . فعرّفه بلطف أن الذي تكلم به مختلق . وخلّة أخرى : إنه لم يبلغنا أن قوما من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه . فكنا نستدل بذلك على اصطلاح قد كان قبلهم . وقد كان في الصحابة رضي الله عنهم وهم البلغاء والفصحاء من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به . وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو إحداث لفظة لم تتقدمهم . ومعلوم أن حوادث العالم لا تنقضي إلا بانقضائه ولا تزول إلا بزواله . وفي كل ذلك دليل على صحة ما ذهبنا إليه من هذا الباب . هذا كله كلام ابن فارس وكان من أهل السنة . وقال ابن جني في الخصائص وكان هو وشيخه أبو علي الفارسي معتزليين - : باب القول على أصل اللغة إلهام هي أم اصطلاح ؟ هذا موضع محوج إلى فضل تأمل ، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي ولا توقيف . إلا أن أبا علي رحمه الله قال لي يوما : هي من عند الله واحتج بقوله تعالى :
( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )
وهذا لا يتناول موضع الخلاف وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله : أقدر آدم على أن واضع عليها . وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة . فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به . وقد كان أبو علي رحمه الله أيضا قال به في بعض كلامه . وهذا أيضا رأي أبي الحسن على أنه لم يمنع قول من قال إنها تواضع منه ، وعلى أنه قد فسّر هذا بأن قيل : إنه تعالى علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات : العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات . فكان آدم وولده يتكلمون بها . ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كل واحد منهم بلغة من تلك اللغات . فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها لبعدد عهدهم بها . وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب