تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
لكل من النوعين قدرا عظيما وخطرا جسيما ، إلا أن أهل التحقيق من علماء الأدب ما برحوا يرجحون كتابة الإنشاء ويفضلونها ويميزونها على سائر الكتابات ويقدمونها ويحتجون لذلك بأمور : منها أن كتابة الإنشاء مستلزمة للعلم بكل نوع من الكتابة ، ضرورة أن كاتب الإنشاء يحتاج فيما يكتبه من ولاياته ومكاتباته مما يتعلق بكتابة الأموال إلى أن يمثّل لهم في وصاياه من صناعتهم ما يعتمدونه ، ويبين لهم ما يأتونه ويذرونه ، فلا بد أن يكون عالما بصناعة من يكتب له بخلاف كاتب الأموال ، فإنه إنما يعتمد على رسوم مقررة وأنموذجات محررة لا يكاد يخرج منها ، ولا يحتاج فيها إلى تغيير ولا زيادة ولا نقص . ومنها اشتمال كتابة الإنشاء على البيان الدال على لطائف المعاني التي هي زبد الأفكار وجواهر الألفاظ التي هي حلية الألسنة ، وفيها يتنافس أصحاب المناصب الخطيرة والمنازل الجليلة أكثر من تنافسهم في الدرّ والجوهر . ومنها ما تستلزمه كتابة الإنشاء من زيادة العلم وغزارة الفضيلة وذكاء القريحة وجودة الرويّة : لما يحتاج إليه من التصرف في المعاني المتداولة والعبارة عنها بألفاظ غير الألفاظ التي عبر بها من سبق إلى استعمالها مع حفظ صورتها وتأديتها إلى حقائقها ، وفي ذلك من المشقة ما لا خفاء فيه على من مارس الصناعة ، خصوصا إذا طلب الزيادة والعلوّ على من تقدمه في استعمالها ، أو حذا حذو رسوم المبرزين الذين ينتحلون الكلام ويوقعونه مواقعه ، مع مراعاة رشاقة اللفظ وحلاوة المعنى ، وبلاغته ومناسبته مع ما يحتاجه من اختراع المعاني الأبكار للأمور الحادثة التي لم يقع مثلها ، ولا يبق سابق إلى كتابتها ، لأن الحوادث والوقائع لا تتناهى ولا تقف عند حدّ . ومن هنا تنقّص الوزير ضياء الدين بن الأثير في المثل السائر المقامات الحريرية وازدراها جانحا إلى أنها صور موضوعة في قوالب حكايات مبنية على مبدأ ومقطع ، بخلاف الكتابة ، فإن أهوالها غير متناهية ولو روعي حال ما يكتبه الكاتب في أدنى مدة لكان مثل المقامات مرّات . ومنها اختصاص كاتب الإنشاء بالسلطان وقر به منه وإعظام خواصه واعتمادهم في المهمات عليه . ( القلقشندي 81 - 86 )

المستطرف في كل فن مستظرف : للأبشيهي

ولد شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي سنة تسعين وسبعمائة للهجرة