صاحب مواد البيان : بأنها صناعة روحانية تظهر بآلة جثمانية دالة على المراد بتوسط نظمها ، ولم يبين مقاصد الحد ولا ما دخل فيه ولا ما خرج عنه ، غير أنه فسّر في موضع آخر معنى الروحانية فيها بالألفاظ التي يتخيلها الكاتب في أوهامه ويصور من ضم بعضها إلى بعض صورة باطنة قائمة في نفسه . والجثمانية بالخط الذي يخطه القلم وتقيد به تلك الصورة وتصير بعد أن كانت صورة معقولة باطنة صورة محسوسة ظاهرة . وفسر الآلة بالقلم ، وبذلك يظهر معنى الحدّ وما يدخل فيه ويخرج عنه . ولا شك أن هذا التحديد يشمل جميع ما يسطّره القلم مما يتصوره الذهن ويتخيله الوهم فيدخل تحته مطلق الكتابة كما هو المستفاد من المعنى اللغوي . على أن الكتابة وإن كثرت أقسامها وتعددت أنواعها ، لا تخرج عن أصلين هما : كتابة الإنشاء وكتابة الأموال ، وما في معناهما على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . إلا أن العرف فيما تقدم من الزمان قد خص لفظ الكتابة بصناعة الإنشاء حتى كانت الكتابة إذا أطلقت لا يراد بها غير كتابة الإنشاء ، والكاتب إذا أطلق لا يراد به غير كاتبها متى سمّى العسكري كتابه « الصناعتين الشعر والكتابة » يريد كتابة الإنشاء ، وسمى ابن الأثير كتابه « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » يريد كاتب الإنشاء ، إذ هما موضوعان لما يتعلق بصناعة الإنشاء من علم البلاغة وغيرها . ثم غلب في زماننا بالديار المصرية اسم الكاتب على كاتب المال حتى صار الكاتب إذا أطلق لا يراد به غيره . وصار لصناعة الإنشاء اسمان : خاص ويستعمله أهل الديوان ويتلفظون به وهو كتابة الإنشاء ، وعام يتلفظ به عامة الناس وهو التوقيع . فأما تسميتها بكتابة الإنشاء فتخصيص لها بالإضافة إلى الإنشاء الذي هو أصل موضوعها وهو مصدر أنشأ الشيء إذا ابتدأه أو اخترعه على غير مثال يحتذيه ، بمعنى أن الكتاب يخترع ما يؤلفه من الكلام ويبتكره من المعاني فيما يكتبه من المكاتبات والولايات وغيرهما ، أو أن المكاتبات والولايات ونحوها تنشأ عنه . وأما تسميتها بالتوقيع فأصله من التوقيع على حواشي القصص وظهورها ، كالتوقيع بخط الخليفة أو السلطان أو الوزير أو صاحب ديوان الإنشاء أو كتّاب الدست ومن جرى مجراهم بما يعتمد في القضية التي رفعت القصة بسببها ، ثم أطلق على كتابة الإنشاء جملة . قال ابن حاجب النعمان في ذخيرة الكتّاب : ومعناه في كلام العرب التأثير
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 166
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص١٦٦