عذري أضعاف ما أبديته واحتججت لي بأكثر ما نشرته وطويته . وإذا أمعنت النظر تيقنت أن لله عز وجل في خلقه أحكاما ، لا يغارّ عليها ولا يغالب فيها ، لأنه لا يبلغ كنهها ، ولا ينال غيهبها ، ولا يعرف قلبها ، ولا يقرع بابها ، وهو تعالى أملك لنواصينا وأطلع على أدانينا وأقاصينا . له الخلق والأمر ، وبيده الكسر والجبر ، وعلينا الصمت والصبر ، إلى أن يوارينا اللحد والقبر والسلام . . . وقال في كتاب المحاضرات . . في المناظرة في اللغات والترجمة : إن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وتخفيفها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها وغير ذلك . . . فمن أين يجب أن نثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف ؟ بل أنت تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى تعرف المعاني اليونانية ، على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية ، كما أن اللغات لا تكون فارسية ولا عربية ولا تركية . . . ومن فقرها قال أبو سعيد : فأنت ( أي متّى ) إذاً لست تدعونا إلى علم المنطق بل إلى تعلم اللغة اليونانية . وأنت لا تعرف لغة يونان ، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها وقد عفت منذ زمان طويل وباد أهلها وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها ويتفاهمون أغراضهم بتصرفها ؟ على أنك تنقل من السريانية ، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية ، ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية ؟ قال متّى : يونان وإن بادت مع لغتها فإن الترجمة قد حفظت الأغراض ، وأدت المعاني وأخلصت الحقائق . قال أبو سعيد : إذا سلمنا لك أن الترجمة شدقت وما كذبت وقوّمت وما حرقت ووزنت وما جزفت وأنها ما التاثت ولا حافت ولا نقصت ولا زادت ولا قدمت ولا أخرت ولا أخلت بمعنى الخاص والعام ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام ، وإن كان هذا لا يكون وليس في طبائع اللغات ، ولا في مقادير المعاني ، فكأنك تقول بعد هذا لا حجة إلا عقول يونان ، ولا برهان إلا ما وضعوه .
العمدة في محاسن الشعر وآدابه : لابن رشيق القيرواني
ولد أبو علي حسن بن رشيق القيرواني في المسيلة المعروفة بالمحمدية على عدة أميال شرقي تونس العاصمة سنة 390 للهجرة ، ثم انتقل منها إلى القيروان سنة 406 ، وطلب العلم