القرن الخامس
الرسائل : لأبي حيان التوحيدي
هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي ، نسبة فيما قيل للتوحيد وهو نوع من التمر كان يبيعه أبوه بالعراق ، وقيل إن التوحيدي نسبة للمعتزلة ، لأنهم يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد وهو الأرجح . ذكروا في أصله أنه شيرازي وقيل نيسابوري وقيل واسطي وهو عربي . . وكنيته أبو حيان ، ولد على الغالب في أواخر العقد الثاني من القرن الرابع أو في أوائل العقد الثالث ، ونشأ في بغداد وعمّر لأنه مات على رأس الخمسمائة أو بعدها بقليل ، وقيل مات بشيراز سنة 414 . . وكان على ما يظهر من كلامه من أهل الباطن أي الصوفية . . وقد تجلت شخصيته بما نقله من المباحثات والمناقشات . . . نقلت كتب أبي حيان أفكارا منوعة وفلسفة أناس كانت تنسى أخبارهم لو لم يتصد لتدوينها . . . ولقد أحرق كتبه آخر عمره لقلة جدواها وضنا بها بزعمه على من لا يعرف قدرها بعد موته . . ( محمد كرد علي 463 )
النص :
عندما كتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمد يعذله على إحراق كتبه ، قال له في الاعتذار : إن كان أيدك الله قد أنقب خفك ما سمعت فقد آدمي أظليّ ما فعلت ، فليهن عليك ذلك ، فما انبريت له ، ولا اجترأت عليه حتى استخرت الله عز وجل فيه أياما وليالي وحتى أوحي إلي في المنام بما بعث راقد العزم وأجدّ فاتر النية وأحيا ميت الرأي وحثّ على تنفيذ ما وقع في الروع وتربع في الخاطر . وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت أو العذر إن استوضحت لتثق بي فيما كان مني متعرف صنع الله تعالى في ثنيه لي . إن العلم ، حاطك الله ، يراد للعمل كما أن العمل يراد للنجاة . فإذا كان العمل قاصرا على العلم كان العلم كلا على العالم وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلًا وأورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا . ثم اعلم ، علمك الله الخير ، أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته ، فأما ما كان سرا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبا ، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا ، على