أني جمعت أكثرها للناس ، ولطلب المثالة منهم . ولعقد الرياسة بينهم ، ولمد الجاه عندهم ، فحرمت ذلك كله . لا شك في حسن ما اختاره الله لي ، وناطه بناصيتي وربطه بأمري وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة علي لا لي . ومما شحذ العزم على ذلك ، ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولدا نجيبا وصديقا حبيبا وصاحبا قريبا وتابعا أديبا ورئيسا منيبا ، فشقّ عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها ، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها ويتراؤون نقصي وعيبي من أجلها . فإن قلت ولم تسمهم بسوء الظن وتقرّع جماعتهم بهذا العيب فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي حقق ظني بهم بعد الممات وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ ، ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة وإلى بيع الدين والمروءة وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسم قلمه ، ويطرح في قلب صاحبه الألم وأحوال الزمان بادية لعينك بارزة بين مسائك وصباحك ، وليس ما قلته بخاف عليك ، مع معرفتك وفطنتك وشدة تتبعك وتفرغك وما كان يجب أن ترتاب في صوب ما فعلته وأتيته بما قدمته ووصفته وبما أمسكت عنه وطويته إما هربا من التطويل وإما خوفا من القال والقيل . وبعد فقد أصبحت هامة اليوم أو غد ، فإني في عشر التسعين وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة أو رجاء لحال جديدة . . والله يا سيدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الإخوان والأخدان في هذا الصقع من الغرباء والأدباء والأحباء لكفى . فكيف بمن كانت العين تقرّ بهم والنفس تستنير بقربهم فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والريّ وما وإلى هذه المواضع . وتواتر إليّ نعيهم واشتدت الواعية بهم . فهل أنا إلا من عنصرهم وهل لي محيد عن مصيرهم أسأل الله تعالى رب العالمين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه ، إنه قريب مجيب . وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ، ويعشى إلى نارهم منهم أبو عمرو بن العلاء وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف دفن . دفه كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر ، وهذا داود الطائي وكان من خيار عباد الله زهدا وفقها وعبادة ،
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 119
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص١١٩