ويقال له تاج الأمة ، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها : نعم الدليل كنت ، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول ، وبلاء وخمول . وهذا يوسف بن أسباط حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه ، فلما عوتب على ذلك قال : دلنا العلم في الأول ثم كاد يضلنا في الثاني ، فهجرناه لوجه من وصلناه ، وكرهناه من أجل من أردناه . وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال : والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك . وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطرحها في الريح وقال : ليت يدي قطعت من هاهنا با من هاهنا ولم أكتب حرفا . وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد : قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل ، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار . . . وماذا أقول ؟ وسامعي يصدق إن زمانا أحوج مثلي إلى ما بلغك لزمان تدمع له العين حزنا وأسى ، ويتقطع عليه القلب غيظا وجوى وضنى وشجى وما يصنع لما كان ، وحدث وبان ، إن احتجت إلى العلم في خاصة نفسي قليل والله تعالى شاف كاف . وإن احتجت إلين للناس ففي الصدر منه ما يملأ القرطاس بعد القرطاس ، إلى أن تفنى الأنفاس بعد الأنفاس ، وذلك من فضل الله علينا . ولكن أكثر الناس لا يعلمون . فلم تعنّي عيني ؟ أيدك الله بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح وبالسواد والبياض . وهل أدرك السلف في الدين الدرجات العلى إلا بالعمل الصالح وإخلاص المعتقد والزهد الغالب في كل ما راق من الدهيا وخدع بالزبرج وهوى بصاحبه إلى الهبوط وهل وصل الحكماء والقدماء إلى السعادة العظمى إلا بالاقتصاد في السعي وإلا الرضى بالميسور ، وإلا ببذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم ؟ فأين يذهب بنا ؟ وعلى أي باب نحط رحالنا ؟ وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليها ؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرها ؟ هيهات ، الرحيل والله قريب والثواء قليل والمضجع مقضّ والمقام ممض . والطريق مخوف والمعين ضعيف والاغترار غالب والله من وراء كله طالب . نسأل الله تعالى رحمة يظلنا جناحها ، ويسهل علينا في هذه العاجلة غدوها ورواحها ، فالويل كل الويل لمن بعد عن رحمته ، بعد أن حصل تحت قدرته . . . على أني لو علمت في أي حال غلب على ما فعلته وعند أي مرض وعلى أية عسرة وفاقة ، لعرفت من
التطورات النحوية في اللغة العربية من البداية حتى الآن — صفحة 120
مساهمون: محمد خاقاني أصفهاني
ص١٢٠