3 - 1 - المجتمع العباسي في القرن الرابع الهجري ( صورة عامّة )
لقد نظر أبوحيّان التّوحيدي إلى وظيفة التّأليف الأدبي من زاوية مغايرة لما كان سائداً في عصره من نظريات متعلّقة بمهمّة التأليف ودور الكتّاب ، تلك التي اعتنقها كتّاب عصره إذ عنوا في كتاباتهم بالتّلقين المعرفي ، بينما كان الأسلوب الأمثل للتأليف عند أبيحيّان التّوحيدي كنظيره وأستاذه الأمثل الجاحظ ، هو الذي يثبت فيه الكاتب قدرته على إسباغ روح العصر والمجتمع الذي يعيش فيه على كتاباته كي لا تتحوّل إلى نسخة متكرّرة من العلوم المنقولة رواية عن العرب في العصور السابقة عليه وقد اجتهد أبوحيّان في إبراز شخصيّته وفلسفته صوفية المآب ، ثمّ أراد التعبير عن موقفه إزاء أنماط السلوك البشري في ضوء الحياة الاجتماعية التي يعيشها أهل عصره . وتمّ له ذلك من خلال عدّة أبعاد منها أبعاد مذهبية وذلك بتوضيح القيم الاجتماعية للمعتزلة وللصّوفية ولإخوان الصّفا ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 2 : 4 ) . ومنها أبعاد ثقافية وذلك بالاقتباس والتأثّر بفلسفة اليونانيين ومنطقهم ومنها أبعاد لغوية وذلك بالاهتمام بالمنطق اليوناني والبيان العربي ونحوه ، على سبيل المثال في مجلس ابن الفرات ( المصدر نفسه 1 : 108 - 128 ) . كما اهتمّ أبوحيّان التّوحيدي بعدد كبير من المظاهر البيئية والاجتماعية فجاءت كتاباته مصطبغة بصبغتها في حين أننا لا نرى كاتباً في عصره استطاع أن يرسم تصويراً كاملًا ودقيقاً لبعض المظاهر الاجتماعية ، من خلال كتاباته ومن هنا تنبع الأهمية الدقيقة لدراسة الحياة الاجتماعية في العصر العباسي ( في طوره الثّاني ) مأخوذة صورتها التقريبيّة من كتابات كاتب ضليع موسوعيّ .
قبل أن نتطرّق إلى موضوعنا الرئيسي علينا أن نعرض بعض المظاهر الاجتماعية في عصر الكاتب بصورة إجماليّة . كما مرّ بنا سابقاً أنّ أهمّ مظهر يأخذ بالأبصار في ذلك العصر ، ما حصل