ثمّ سافر إلي بلاد العجم لما كان يبلغه من شدة اشتياق والدته ، فقدم أصفهان وقعد مكان والده في البحث والتدريس وإقامة الجماعة في المسجد المقدّم ذكره .
وأوّل ما اهتمّ به في تلك الأوقات إقامة الحدود الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأكثر من إقامة الحدود وتعجّب من ذلك الأهالي ؛ فإنها كانت قد انقطعت بعد فوت سميه حجة الإسلام الرشتي . فبالغ الشيخ فيها وجعل في داره أمكنة معدّة لحبس السكاري ومستحقّي الحدود من الرجال والنساء ، وعين جماعة لإحضارهم ، واخري لمباشرة إقامة الحدود وغير ذلك . فصعب ذلك علي أرباب الكبائر وكانوا في غاية الكثرة ، فاشتكوا عند حاكم أصبهان . فتشرّف الحاكم بزيارة الشيخ في داره وسأله ترك ذلك . فامتنع الشيخ وكثر بينهما الكلام ، حتى قال الحاكم : أنا مأمور من السلطان أن أمنع من ذلك . فقال الشيخ : أنت مأمور من سلطانك بأن تمنع ، وأنا مأمور من سلطاني أن لا أدع ذلك ؛ فامتثل ما أمرك به سلطانك ، وأمتثل ما أمرني سلطاني .
فتعجّب الحاكم من هذا الكلام ، فقال : ومن سلطانك ؟ فقال الشيخ : صاحب الزمان .
فارتعدت فرائص الحاكم من ذلك ، وجعل الله في كلام الشيخ أثراً عجيباً .
فقال الحاكم : أيها الشيخ ! امض علي ما أمرك سلطانك ، ولا تخش أحداً ، حتى لو ارتكب الكبائر فلان وفلان وكانا أعزّ الناس عنده - فأقم عليهما الحدّ .
فشمّر الشيخ بعد ذلك عن ساعد الجدّ ، وانتضي صارم العزم ، وبالغ في الجدّ حتى أنه حكم بالقتل علي سبعة وعشرين رجلًا في يوم واحد . قتل منهم اثني عشر ، وانهزم الباقون . وأما إقامة الحدّ بالقتل علي الواحد والاثنين ، أو إقامته بغير القتل علي سائر أرباب الكبائر من الرجال والنساء ، فلا يحصي ولا يعدّ . وكانت داره لا تخلو أكثر الأيام من إقامته علي جماعة ، حتى ارتدعوا من خشية سوطه وسيفه من تلك القبائح ، ولم يبق منهم إلا شاذ ، وقاسي لأجل ذلك من الفساق التهديد بالقتل والإيذاء ما لا داعي إلي ذكرها ، وكان يزداد كلّ يوم فيه جدّاً واجتهاداً .
ثمّ قصده طلبة العلم من كلّ بلد لأجل الحضور عليه منهم ، وكان قد فرغ داراً كبيرة
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 87
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص٨٧