بذّ كثيراً من شعراء العرب ، وتفوّق علي بعض زملائه المذكورين الذين تمحّضوا للشعر فقط ؛ فحير عقولهم وأذهل ألبابهم ؛ لبراعته في الأدب ، وفهمه لأسراره ، وإحاطته بالمفردات اللغوية إحاطة تندر عند الأدباء ، فضلًا عن العلماء .
أضف إلي ذلك تأثّره بالصفي الحلّي ، وعشقه لأنواع البديع ، ولا يكاد يخلو من ذلك شيء من نظمه . . . وفي بعض شعره نكات أدبية قد لا يتنبّه لها البعض ؛ لدقّتها وغموضها ، وكان يحمل اللفظ معني أكثر من قابليته . والسرّ في ذلك يرجع إلي إحاطته بالأدب الفارسي المعروف بذلك . وقد كان شأنه في ذلك شأن مهيار الديلمي الذي قيل فيه : إنّه نظم المعاني الفارسية في الألفاظ العربية .
كان حلو المعشر ، ظريف المحضر ، كثير المداعبة ، جميل المحاورة . يرصد النكتة ويجيد النادرة ؛ لكنه لا يخرج عن الآداب العرفية ، ولا يجرّه ذلك إلي الخفة والرعونة مهما كانت النادرة مضحكة ، بل يبلي المستمعين بذلك ويبقي محافظاً علي وقاره ورزانته . وهو حتى في حال النظم والمساجلة يبدو عالماً أكثر منه شاعراً ، كما أن نكاته الشعرية علمية علي الأكثر . . . سكن كربلا في الأواخر مدّة ، وفي 1333 وقعت الحرب العامة وكثرت الفتن والحوادث في العراق ، فضاقت عليه الأمور ، فرحل بأهله وأولاده إلي أصفهان ، وقوبل بحفاوة وإكبار بالغين ، وحصل له ما كان لسلفه الصالح من الزعامة الدينية .
فنهض بأعباء الرئاسة والهداية ، وقام مقام والده في سائر الوظائف الشرعية من الإمامة والتدريس والإرشاد ونشر الأحكام وتمهيد قواعد العلم ، وكان للطلاب عليه زحام غريب ، وقد تخرّج عليه جمع من الأفاضل والأعلام ، وكان محبوباً عند سائر الطبقات ؛ لبشاشة وجهه وحسن أخلاقه وظرافته .
أمّا تدريسه ، فقد ولع به الكثيرون ؛ لبلاغة تعبيره وحسن تقريره ، ولجامعيته أيضاً .
فقد كان يشفع أقواله بالأدلة والاستشهاد بأشعار العرب والفرس وأقوال اللغويين والأكابر من السلف . ومع تلك المكانة العلمية والشهرة لم تكن حالته المادية علي ما يرام ؛ فكان غير مرتاح دائماً ، كما كان يبدو ذلك من مكاتيبه لي .
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 219
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص٢١٩