وذكروا أنّ شدّة بكائه يمنعهم عن النوم في تلك الأحيان .
وقد أفرغ في داره مدي إقامته في إصفهان قبة صغيرة مظلمة لنفسه ، لا يخرج منها ليلًا ولا نهاراً ، ويشتغل بالفكر والذكر والعبادة هناك سرّاً وجهاراً .
ولقد سافرتُ معه في خدمته في خلال تلك الأحوال إلي زيارة النجف الأشرف في أحسن حال ، فما تكلّم معي في طول الطريق مع انحصار الرفيق بقليل ولا كثير إلا بكلمات قليلة ؛ يشتغل في خلالها بذكر الملك القدير ، وكان كلّ من ينظر إلي حاله وغليله ، ويري من كثرة بكائه وعويله في أثناء الطريق مع الا كراد وغيرهم ، الذين لا يعتقدون بدين ولا معاد ، أراهم يتغير حالهم من غير اختيار ، وتفيض أعينهم من الدمع من غير بصيرة واستبصار .
ودخل يوماً من الأيام في أثناء الطريق إلي الحمّام وكان فيه جماعة كثيرة من الأكراد والدهاقين والعوام ، فبمجرّد ما شاهدوا حاله ونظروا إلي جنابه ، ورأوا من خضوعه وخشوعه ، وأبصروا بكائه ودموعه ، تشوّشت أحوالهم وجرت دموعهم وخشعت أصواتهم . فسبحان الذي جعل للحقيقة أثراً في القلوب لا يحيط به العقول ، وجعل للحقّ حقيقة تؤثّر في النفوس ويذهب بالغفلة والذهول !
وكان لكلامه قدّس سرّه أثر غريب في القلوب ، بحيث قلّ ما ينصح أحداً أو يوصيه بوصية إلا ويؤثّر في نفسه وهواه ، وتصرفه إلي إطاعة مولاه .
وقد قال يوماً في النجف الأشرف لبعض أصحابنا الأمجاد ، وهو الشيخ العلم العالم العماد الفاضل المؤيد الشيخ علي محمّد سلّمه الله وأبقاه ، وبلّغه منتهي مناه : « عليك بصلاة الليل » فأثّر هذه الكلمة في نفسه الشريفة بحيث ما ترك صلاة الليل علي ما شاهدته مدّة مديدة ، ولو في مشاقّ الأسفار ومظانّ الأخطار .
وكان السبب في انقطاعه رضوان الله عليه إلي الله وذهوله عمّا سواه ، علي ما حدّثني به الشيخ الجليل والفاضل النبيل ، العالم الأمين والحبر العامل الرزين ، غوث الملّة والحقّ والدين ، فخر العلماء العاملين وثقةالإسلام والمسلمين ، أخي الأجلّ الأكرم الوفي الحاج
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 168
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص١٦٨