يصرف في ملهيات الأباطيل ، بخيلًا بأيامه المنيفة من أن يشتغل باللهو والتعطيل . وقد فرغ من النحو والصرف والمعاني والبيان وسائر المقدمات قبل بلوغه إلي حدّ البلوغ والتكليف ، واشتغل عند ذلك بالفقه والأصول عند والدي العلامة [ الحاج الشيخ محمّد باقر ] أعلي الله مقامه من غير عطل ومطل وتسويف .
وكان من شدّة ذكائه وفطنته وجودة فهمه وجربزته جدلياً عيون الطلبة ووجوه المشتغلين يهابون مباحثته مع صغر سنه ، وأعيان العلماء المحصلين يعترفون بسموّ قدره وجلالة منزلته . ثمّ ذهب الأجل التكميل إلي النجف الأشرف علي ساكنه آلاف التحية والشرف ، فظلّ هناك سنيناً عديدة مشتغلًا عند علمائه بالتحصيل ، مشمّراً عن ذيل الجدّ والاجتهاد في ذلك النادي للتكميل ؛ حتّي بلغ من العلم غاية قصواه وارتقي إلي سماء الفضل نهاية منتهاه .
فأتقن من الأصول قوانين أصوله ، ومعالم فصوله ، وزبدة فوائده ، ونخبة عوائده ، وحاز من الفقه والحديث غرر درره ، وجواهر زهره ، ومنتهي نهاية تهذيبه ، ومسالك تخطئته وتصويبه ، بما حصل به تبصرة كافية لعباده ، وذخيرة شافية لمعاده ، حتى أذعن بفضله جميع العلماء الأعيان ، وصار في دوحة العلم والكمال مشاراً إليه بالبنان ، وانتشر صيت فضيلته في جيمع الأقطار ، واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار .
ثمّ سنح له في ذلك الحال ، وبدا له في خلال تلك الأحوال ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلي دار البقاء والسرور ؛ فترك جميع ما كان متصدّياً من الوعظ والتدريس ، وهجر جميع ما كان يحجبه عن الانس بالله وهو نعم الأنيس .
فأشرق له من صبح السعادة نور أضائت به غياهب الدجي ، وظهر له من نور الحقيقة ضياء تقشّعت عنه سحائب العمي ، واشتغل بالفكر والذكر والتلاوة ، وصرف ليله ونهاره في الزهادة والعبادة ، ولا يفتر عن ذكر « لا إله إلا الله » ليلًا ونهاراً ، ويبكي بكاء الثكلي علي نفسه سرّاً وجهاراً ، بحيث تأذّي من شدّة بكائه الإخوان ، وفزع من عويله النساء والصبيان ، بحيث سئل عن جنابه ترك البكاء إمّا باللّيل وإمّا بالنهار بعض الجيران ،
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 167
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص١٦٧