وغزارة العلم . انتهت إليه رياسة المذهب الجعفرية في العلم والتدريس والفتوى والمرجعية العامة . كان إمام العلم والأدب ، المجتهد الكبير والفقيه النحرير ، متكلّم مفسّر أصولي قليل النظير . كان روّح الله روحه عزّاً للشيعة وذخراً للشريعة ، ونابغة الزمان ونادرة الدوران في الإحاطة والتتبّع ، وكان مستقيم الفهم ، وسيع الباع ، كثير الاطلاع ، صائب الحدس ، حسن البيان ، طلق اللسان ، عذب المنطق ، جيد التحرير ، عظيم العرفان ، أستاذاً بارعاً في العربية والأدبية والمعاني والبيان والتاريخ والسير والحديث والتفسير والفقه وأصوله والرجال والدراية والحكمة المتعالية والإملاء والإنشاء ومتن اللغة والملل والنحل وغيرها .
وقد تروّيت وجالت فكرتي كثيراً ما في ملاحظة شخصية هذا العالم الكبير وحجة الدين والعلم في عهده ، وغزارة علومه ومزايا وجوده وتنوّع محاوراته ومفاوضاته وتحوّلاته وانتقالاته المعجبة في الكلام ، وبسيط اطلاعاته وعجيب ضبطه وقوّة حفظه والزاماته المدهشة في الاحتجاج ، ومليح مزاحاته وإشاراته الأدبية ونحوها ؛ فما وجدته يقاس عليه أحد من أعلام الفرقة من زمن الغيبة إلي هذا العهد ، ولا كلمة جامعة يقال له إلا أن يقال : إنه ؛ فكأنه تلمذ واقتفي علي العلامة الأعظم أستاذ الكلّ في الكلّ ، قطب دائرة العلم والعرفان ، الإمام أبي عبد الله المفيد محمد بن محمد بن النعمان ، قدّس الله سرّهما وروّح روحهما ؛ فهو مرآته الأتمّ الأجلي ، والنسخة الثانية له ، وهو مفيد القرن الرابع عشر . لا أثني عليه بتبرّزه وعظيم مقامه في الفقه والأصول والحديث والتفسير والرجال والدرايه ونحوها ؛ لأن كلّ ذلك فنه وله التخصّص فيها والمعلّم الأوّل لها ، بل إذا رأيته يتفاوض هذا الرجل العظيم ، فقيد العلم والعرفان ، في شيء من التاريخ والسير والبديع والكلام والتراجم والإنشاء ونحوها ، لزعم المستمع أنه أخصّ علومه ، وأنه أفني عمره فيه .
كان علي أحاديث إخواننا أهل السنة والجماعة وصحاههم ومسانيدهم ومراسيلهم ، علي اختلاف مذاهبهم ومسالكهم في الفروع والأصول ، وأهمّ مؤلفاتهم في الفقه وسائر الفنون الديني ، بصيراً محيطاً كالمتبحّر المتتبّع منهم ، وكذلك علي كتب اليهود والنصاري وتواريخهم الدينية . وقد اتّفق له مناظرات ومفاوضات علمية ودينية مع بعض علماء
درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف — صفحة 469
مساهمون: الشيخ رحيم القاسمي
ص٤٦٩