التفكير وإعمال العقل ، فهو سلاح ذاتي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون المطبق وهو مانع للصواعق ضد الانهيار النفسي ، هذا من جانب ومن جانب آخر قد يكون هذا اللون من الهجاء نقدا لأشخاص أو تصرفات سلبية وممارسات يعبر عنها الشاعر بطريقة فنية معتمدا فيها على السخرية ، فهو رغم هذا ظاهره الممتلئ بالمرح والضحك يخفى خلفه أنهارا من الدموع ، لأنه نقد مضحك متزامن بالتجريح .
ويبدو أنّ منشأ التمازج بين الهجاء والسخرية في هذا اللون من الهجاء - إضافة إلى الدوافع والبواعث - يعود إلى الظروف التي غيّرت وجه المجتمع العباسي ومنحته شكله الجديد ، وكذلك الاضطراب في مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتطور الحياة الفكرية والعقلية الذي أحدث صداما بين الشعراء الهجائين وبين مجتمعاتهم وصولا إلى حد الرفض والإنكار والثورة أحيانا ( انظر : عطوان 9 - 33 ) ففي ظل هذا الاتجاه على الأرجح ، ظهر الهجاء الساخر كفرع من فروع السخرية التي أخذت عدة أشكال ، وأصبح من أبرز ملامح التحوّل في الموقف الشعري عند هؤلاء الشعراء .
2 - 2 الهجاء الكاريكاتوري وسبب تسميّته بالهجاء
إذا وقفنا عند البحوث والدراسات المتعلقة باتجاهات الهجاء وموضوعاته نجد تسميات مختلفة لهذا الوليد الجديد في أدب العصر العباسي ، كتسميته بهجاء الاستخفاف والتهكم ، والهجاء الساخر ، والهجاء الهزلي ، والهجاء الكاريكاتوري و . . . ، متأثرة بالأغراض التي يتضمنها هذا اللون من الهجاء ، إذ يشتمل على الاستخفاف والتهكم ، والسخرية ، واللذع ، والهزل ، والتصوير الساخر ، فلذلك حار الباحثون في وضع تسمية دقيقة له . فيعتقد بعضهم أنّ هذا اللون من الهجاء يتداخل في الأدب الساخر ، حيث إنّ الأدب الساخر تنطوي تحته أنواع ، منها : الشعر الساخر ، والقصة الساخرة ، والمقالة الساخرة و . . . الخ ، وكلها طرق متعددة لقول ما يشغل بال الكاتب في الحياة من حوله ، ليتناول التناقضات في المجتمع ، والممارسات السلبية ، والأحداث والشخصيات السياسية ، والمشاكل الاجتماعية وحتى النفسية والمادية ، وغيرها من المواضيع التي لا تنتهي . فنجد وقوف هؤلاء الباحثين على تسميته