الساخر ، وكوسيلة تعبير استخدمها القدامى في التعبير عن حالاتهم وأحوالهم ، وعن ظروفهم آنذاك ومن دون استخلاص تسمية معينة لهذا النوع الفني مثل ما هو الحال عليه اليوم عند بعض النقاد الأدباء . كما اختلف موضوعه بحسب الهجّاء والمهجو ومدى ما كان بينهما . وعند العرب فالحق أنّ القدماء هم الذين قد فتحوا باب الهجاء الكاريكاتوري ، حيث انطلق من العصر الجاهلي عندما نجد جذوره في شعر بعض شعرائه ، كامرئ القيس والأعشى وطرفة بن العبد ، ثم الحطيئة ، كما نجد له تواجدا في القرآن الكريم الذي حمل صورا في غاية الإبداع والسخرية في اللغة والسموّ في التعبير والكلمة ، إلا أنّ الجانب الإصلاحي فيها يغلب على السخرية والتضخيم وغيرها من الجوانب الأخرى التي تتسم بها الصور الكاريكاتورية الشعرية . أما في العصر الأموي ففي ديوان شعراء النقائض نرى بعض القصائد التي هي أقرب إلى الهجاء الكاريكاتوري فيما بعد ، ومنهم جرير بن عطية الذي يعدّ بحق رائد السخرية في الأدب العربي .
8 - إنّ الهجاء الكاريكاتوري وإن لم يكن وليد العصر العباسي ، إلا أنّه لم يهتم به كأسلوب مستقل بذاته إلا في هذا العهد ، حيث ولجه الشعراء العباسيون بقوة ، ومضوا في استكشاف ما وراءه ، فبلغوا به آفاقا لم يبلغها القدماء ، وذلك بسبب التطورات التي رافقت حياة المجتمع وطبيعة الشعراء العباسيين الخصبة ، وتعدد جوانبها . فأبدعوا في حيز هذا النطاق إبداعا كبيرا ، وتنوعت تجاربهم فيه تنوعا كثيرا . وبرز من بينهم بشاربن برد وأبو نواس ودعبل والمتنبي وعلى رأسهم ابن الرومي الذي تربع على هذا الفن وظل أكثرهم حضورا في تناوله .
9 - إنّ تطور الهجاء الكاريكاتوري كان متأثرا بالظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية ، فلم يقف مستواه عند حدوده في بداية العصر العباسي لدى أوائل الشعراء العباسيين الذين قاموا برسم الصور الكاريكاتورية في أهاجيهم ، كبشار بن برد الذي لا تحمل صوره الهجائية ولاسيّما في المضمون الشخصي ، الخصائص الكاريكاتورية بشكل متكامل إلا البعض منها ، وذلك لحرمانه من نعمة البصر التي تمنح الشاعر الكاريكاتوري التصوير واتساع آفاق طموحاته . غير أننا نرى عنده مقدرة كبيرة في رسم الصور الذهنية التي لا تستمدّ جزئياتها من حاسة
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 382
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٨٢