حاجة إلى الكلمات . فلو عدنا إلى آدابنا المكتوبة من الشعر والنثر لوجدنا جذورا من الأنواع الأدبية والفنية ما ننميه إلى الآداب الأجنبية ، ومثل ذلك ما وصلت إلينا من الأهاجي الكاريكاتورية واعتبارها كجذور لفن الكاريكاتور في يومنا هذا .
إنّ قيام الشعراء العباسيين بالهجاء الكاريكاتوري هو شاهد على صدق عبقريتهم وأصالة شاعريتهم ، فقد أثبتوا به أنهم لم يكتفوا بما فعلوا من محاكاة القدماء ومنافستهم ، وعدم التقصير عنهم في الجانب اللغوي ، والتفوق على كثير منهم ، بل أرادوا أن يضيفوا إلى التراث الشعري العربي شيئا جديدا وأن يدخلوا على الذوق الفني تبديلا جوهريا . واستمروا في هذه المحاولة برغم ما لقوا من الاحتقار والاستهانة ، والاتهام بالسقوط والغثاثة ، حيث أدركوا بحق أنّ اجترار المضامين القديمة والاكتفاء بتجارب القدماء طريق مسدود لا يوصل إلى استكشاف جديد في تجارب الحياة الانسانية ولا يضيف إلى تراثنا متعا جديدة .
إنّ مجال التصوير في الهجاء الكاريكاتوري مجال فضفاض واسع . إذ إنّ تنسيق الصورة وبنائها وربطها بنفسية شعرائها ، ودراستها من خلال هذا الربط وطرق تكوينها وكيفية تركيب عناصرها وصياغتها بالنسبة إلى العصور المختلفة ، كل هذا يجب أن يتوفر له مجموعة من الباحثين يبدأ كل منهم من حيث انتهى الآخر حتى يتواصلوا إلى نتائج محققة في هذا المجال .
نتائج البحث :
وفي نهاية المطاف بعد دراستنا الشاملة في الهجاء الكاريكاتوري ، نشير إلى أهم النتائج المستخرجة من الفصول السبعة للكتاب :
1 - إنّ فن الهجاء لم يعرف روّادا وأعلاماً في الشعر الجاهلي وكانت معانيه أقل المعاني نضجا بالنسبة إلى معاني سائر الأغراض الشعرية ، فاعتمد على القيم الخُلقية وابتعد عن الفحش والإقذاع المعنوي ، ولم يكن وليد الشعور العام بالهزيمة والفشل في الحياة ، بينما أنّ مستوى هذه القيم قد ضعف في العصور التالية ولا سيما في العصر الأموي والعباسي ، حيث إنّ شعراء هذين العصرين تفتقوا بكل معنى مقذع أباحي ، كما أنّ شعرهم الهجائي قد تولّد بعد أن تفاعلوا مع أحوال الكراهية والمقت والعاهة ، فلهذا نرى أنّ معظم الهجائين في
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 379
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٧٩