الانتباه على خاصية حاسة ما .
ومن الجدير بالذكر أنّه لا يتأتى فهم الصورة إلا إذا تمّ « ترتيب أجزائها أو عناصرها من كل متكامل » ( فريد زمر 35 ) ، بينما أنّ تكوين أية صورة يمكن معالجتها بحيث يجذب اهتمام الناظر إلى أجزاء معينة من الصورة ( انظر : نفس المصدر 13 ) . وفي العادة تنجذب القدرة التجسيدية البصرية نحو الأشياء ذات الحجم الكبير المتميز ، لذا تعتبر هذه القدرة ، التابع المطلوب للرسالة الكاريكاتورية في الهجاء الكاريكاتوري والكاريكاتور .
فالصورة في الهجاء الكاريكاتوري هي الوصف الفني الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظمها الشاعر في سياق بياني خاص يعتمد على المبالغة والسخرية ليعبّر عن جانب من جوانب تجربته ومقدرته التشكيلية الشعرية مستخدما طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز وفي البديع وغيرها من وسائل التعبير الفني ، والألفاظ والعبارات هما مادة الشاعر الأولى التي يصوغ منها ذلك الوصف الساخر أو يرسم بها تلك الصورة الكاريكاتورية . ولمّا كانت الصورة في الهجاء الكاريكاتوري تتشكل من الكلمات فقد اعتبرت الألفاظ كالخطوط والألوان في الأبصار .
وفي نهاية هذا الفصل نستنتج أنّ الشاعر الكاريكاتوري قد تأثر بحالاته النفسية واتخذ منها أسلوبا للتعبير في متابعة عيوب الناس ، كما أنّ قدرة اللغة العربية مكّنته من التعبير عن أدق المعاني وأصدق المشاعر بالمبالغة التي تناسب التضخيم في الصور الكاريكاتورية الشعرية . فلذلك إنّ الشعراء الكاريكاتوريين العباسيين لم يألوا جهدا في استثمار كل ما يميّز أسلوبهم الكاريكاتوري عن الأساليب الشعرية الأخرى ، من الانسياق الفني ، والتقنيات الخلاقة في الفن التشكيلي الكاريكاتوري ، واعتمادهم عليها للتخلص من المألوف ومجاوزة الأنماط السائدة في التعبير الذي تعوّد عليها بقية الشعراء .
إنّ المستوى اللغوي في معظم الأهاجي الكاريكاتورية يتميز بالاقتراب العامد إلى الرقة والسهولة والبساطة المتمثلة في أسلوب الحديث اليومي الحي ، لتناسبه مع الغاية الشعبية التي قصدها الشعراء في هذا اللون من الهجاء ، وضرورة ربطه بالجماهير ، وتجديد الصلة بينه
و
الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 377
مساهمون: عبد الغني ايروانى زاده
ص٣٧٧