تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهجاء الكاريكاتوري عند أعلام الشعراء العباسيين — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
أرَى لي وَجْهاً شَوَّه اللهُ خَلقَهُ * فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وقُبِّحَ حَامِله
( 184 ) وهذا السبب من الأسباب التي لا تقل أهمية في نزوع الشعراء العباسيين إلى إظهار السخرية في صورهم الكاريكاتورية . فدراسة شعرهم وحياتهم تمثل العوامل التي طبعت شخصياتهم بطابع ساخر . فبشار بن برد قد نشأ ، وهو أعمى ، في بيت فاقة واضطراب ، وظهر فيه ميل إلى الهجاء والسخرية منذ صغره . حتى قيل : إنّ الناس كانوا يجيئون إلى أبيه ، فيشكونه إليه ، فيضربه ضربا مبرحا ، فكانت أمه تقول : لم تضرب هذا الغلام الصغير الضرير ؟ أما ترحمه ؟ فيقول : بلى إني لأرحمه ، ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إليّ . فسمعه بشار ، فقال : إنّ هذا الذي يشكونه منّي إليك هو قولي الشعر ، وإنّي إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي ، فإن شكوني إليك فقل لهم : أليس الله عز وجل يقول :
( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ )
، فلما عادوا إلى بُرد يرددون شكواهم ، تلا عليهم الآية الكريمة ، فانصرفوا وهم يقولون : « فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار » ( انظر : الأصفهاني 690 : 3 - 691 ) . فهذه الرواية دليل على أنّ الشاعر كان يُعامَل بقسوة منذ صغره ، فأبوه لايتجنّب من ضربه ضربا مبرحا ، والناس يعبثون به في تلك البيئة المنحلة لعماه ، لما يرون فيه سببا للتندر والهزء الذي أدّى إلى شعوره بالنقص ، ودخوله في صراع عنيف جعل الشاعر مضطراً أن يتخذ من هجائه الساخر سلاحاً يحميه من عبثهم وعدوانهم . ثمّ إنّه كان مولى ، اضطهد كثيرا من أجل أصله الأعجمي وتعذّب صنوفا من العذاب بسببه من خصومه الذين يحتقرونه دائما ، فطبيعي أن يميل الشاعر الأعمى ، المولى ، المنبوذ من مجتمعه إلى السخرية في هجائه لإظهار غضبه والدفاع عن نفسه إزاء القوم الذين يحكمون عليه بأحكام قد تكون جائرة ، إذ يقول شيكسبير « 1 » : « إذا ابتسم المهزوم ، أفقد لذة المنتصر » ( غرفيلد 15 ) . فلم يكن شعور بشار بالمنكر فقط من عماه ، بل من القباحة التي كانت ترين على سائر ملامح وجهه . فالأصمعي يصفه بقوله : « كان بشار ضخما ، عظيم الخلق والوجه ، مجدورا ،
هامش
( 1 ) -Shakespeare .