احتجّت الأشاعرة بأنّ الوجوب لا لفائدة عبث ، والفائدة إن كانت عاجلةً فهي منفيّة ؛ لأنّ العاجل التعب ، وإن كانت آجلة أمكن إيصالها بدونه فكان عبثاً .
والجواب : لِمَ لا يجب لكونه شكراً ؟ فلا يستلزم فائدة أُخرى ، وإلّا لزم التسلسل ، أو لِمَ لا يكون الفائدة آجلة ؟ ولا يمكن إيصالها على جهة الاستحقاق بدون الشكر .
[ تهذيب الوصول ، ص 54 - 55 ]
أقول : هذان التفريعان تنزّلا الأشاعرة فيهما تسليم قاعدة الحسن والقبح .
واتّفق أصحابنا والمعتزلة على وجوب شكر المنعم عقلًا ؛ خلافاً لجمهور الأشاعرة .
لنا : أنّه لا فرق عند العقل الصحيح بين الشكر والمعرفة ، فيتساويان في حكم العقل ، ولأنّ طريق وجوب المعرفة هو وجوب الشكر ، فلو لم يجب الشكر عقلًا بالضرورة لم تجب المعرفة ؛ لما بيّنّاه من الملازمة ، والتالي باطل ، وإلّا لأُفحمت الأنبياء ، وكذا المقدّم .
قيل :
إنّه جعل عدم وجوب الشكر عقلًا بالضرورة ملزوماً لعدم وجوب المعرفة مطلقاً ، مستدلّاً بعدم الفرق « 1 » .
وليس دالّاً على اللزوم المذكور ، بل إن دلّ فدلالته إنّما هي على لزوم عدم وجوب المعرفة بالضرورة ، وهي أعمّ من اللازم الأوّل ، والعامّ لا يدلّ على أحد الجزئيّات ، وليس هذا اللازم باطلًا ؛ إذ لم يذهب أحد إلى أنّ وجوب المعرفة ضروري ، ولا يلزم من تحقّقه إفحام الأنبياء ، ويمكن أن يكون بالضرورة ليس جزءاً من المقدّم ولا من التالي ، بل هو بيان لكيفيّة لزوم التالي للمقدّم .
ولنا : أنّه معلوم بالضرورة للعقلاء ، والمنازع مكابر ، ولأ نّه دافع للخوف الحاصل من تركه ، ودفع الخوف واجب عقلًا ، فيجب من باب وجوب المقدّمة .
احتجّوا بأنّ الوجوب لا لفائدة عبث ، والعبث عندكم قبيح عقلًا ، والفائدة لا تعود
هامش
( 1 ) . القائل هو العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 1 ، ص 135 .