وأُجيب بأنّ العمل بالقياس مشروط بعدم النصّ ، فإذا وجد لا يكون دليلًا أصلًا ، فضلًا عن تقدّمه عليه .
للمانع : القياس مظنون وعموم الكتاب مقطوع ، ولأنّ القياس فرع النصّ فلا يقدّم الفرع على أصله ، ولأنّ العموم ظاهر في كلّ صورة من آحاد الصور الداخلة تحته ، وجِهة ضعفه ليس إلّااحتمال المخصّص ، أمّا القياس فجِهات ضعفه كثيرة ؛ لأنّ حكم الأصل إن ثبت بالآحاد تطرّق إليه احتمال كذب الراوي ، ويحتمل أن يكون المستنبط للقياس ليس أهلًا ، أو كون الحكم معلّلًا بعلّة خفيّة ، أو بعلّة غير ما ظنّه المجتهد ، أو تخلّف العلّة في الفرع وقد ظنّ حصولها فيه ، أو حصول مانع السبب ، أو مانع الحكم في الفرع ، أو فوات شرط السبب ، أو شرط الحكم . وإن كان الطريق قطعيّاً انتفى تطرّق الكذب لا غير ، وبقيت الاحتمالات الأُخر ثابتة .
وأُجيب عن الأوّل كما تقدّم في تخصيصه بخبر الواحد .
وعن الثاني : أنّ القياس فرع النصّ الذي هو أصله لا كلّ نصّ ، والعموم المعارض له ليس أصلًا له .
الثالثة : لا شكّ في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة ، كما لو قال : « اضرب كلّ من أساء إليك » ، ثمّ قال : « لا تقتل زيداً » .
وأمّا مفهوم المخالفة فاختلف القائلون بحجّيّته في تخصيص العموم به ، فالأكثرون جوّزوه ؛ للجمع بين الدليلين .
وقيل :
لا ؛ لأنّ تقدّم الخاصّ على العامّ إنّما كان لقوّة دلالته على مدلوله ، وضعف دلالة العامّ عليه ، وهو مفقود في المفهوم ، فإنّ دلالة العامّ على جزئيّاته أقوى من دلالة المفهوم ؛ فإنّها ضعيفة جدّاً ، فلا يقدّم الأضعف على الأقوى « 1 » .
والجواب : العمل بالمفهوم يستلزم العمل بالدليلين ، بخلاف العامّ ، وحده إذا عمل به ؛ فإنّه إهمال ، كما قرّر دلالته .
هامش
( 1 ) . المحصول ، ج 3 ، ص 103 .