وأنكر سيبويه في سبعة عشر موضعاً من كتابه كونها للتبعيض ، والفرق بين « مسحت بالمنديل » و « مسحت المنديل » من حيث جعل المنديل آلة في المسح مع الباء وممسوحاً مع عدمها ، لا من حيث التبعيض .
ومنها : « إنّما » ، وهي للحصر بالنقل عن أهل اللغة ، ولأنّ « إنّ » للإثبات ، و « ما » للنفي ولا يتواردان على محلّ واحد ، ولا يمكن صرف النفي إلى المذكور والإثبات إلى غيره ، فتعيّن العكس . [ تهذيب الوصول ، ص 85 - 86 ]
أقول : هذه بقيّة الحروف :
الأوّل : الفاء ، وهي للتعقيب بحسب ما يمكن وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه ؛ لإجماع أهل اللغة ، وهو حجّة هنا .
قال المخالف : قال الله تعالى :
« لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ »
« 1 » ، والإسحات يوم القيامة ، فلا تكون للتعقيب ، وإلّا لزم الاشتراك ؛ لما ثبت من أنّ الاستعمال يدلّ على الحقيقة .
والجواب : لا نسلّم أنّ الاستعمال حقيقة بل مجاز ؛ لإجماع الأُدباء على أنّها للتعقيب فتكون حقيقةً فيه ، فلو كانت حقيقةً في غيره لزم الاشتراك ، والمجاز خير منه ، فيجب المصير إليه .
ووجه المناسبة أنّ وعيده تعالى يمتنع الخلف فيه ، ويجب وقوعه من حيث إخباره تعالى فأشبه الواقع .
قالوا : قال الله تعالى :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً »
الآية « 2 » ، فقد أتى الله تعالى في هذه المراتب تارةً بالفاء وتارةً ب
« ثُمَّ »
وما بينهما متساوٍ مقداره .
الثاني : « في » للظرفيّة تحقيقاً ، كقوله تعالى :
« وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ »
« 3 » ، وتقديراً
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 61 .
( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 12 - 13 .
( 3 ) . الأحزاب ( 33 ) : 33 .