ويحتمل إرادة معاني الذكر ؛ ووجه هذا أنّ معاني الذكر للذكر كالأرواح للأجساد في كونها سبب الحياة ، إلّاأنّ استعماله ها هنا مجازاً في القرآن أكثر وأظهر ، واستعماله حقيقة في روح الحيوان أظهر ، فتعارضا ، فيصار إلى الترجيح .
وإن تساوت الحقائق فإمّا أن يتفاوت المجاز فيحمل على الراجح منها ، كقوله تعالى
« وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي »
« 1 » فلفظ « العين » مشترك لمعانٍ ، منها : الباصرة « 2 » ، والحارس « 3 » ، والمتجسّس للأخبار « 4 » ، ولا شيء من هذه المعاني بمراد ها هنا ، فيعدل إلى المجاز ، وهو عين الباصرة العلم ، وعين الحارس والجاسوس للحفظ والحراسة ؛ إطلاقاً في الموضعين لاسم السبب على المسبّب ، فيمكن أنّك تصنع وترى بعلمي وأن تريد بحفظي وحراستي ، والمشترك متساوٍ في مفهوماته ، واستعماله مجازاً في العلم أكثر وأشهر ، فكان أولى .
وإن لم تتفاوت المجازات ولا الحقائق بقي اللفظ مجملًا كقول المتنبّي :
رأت وجه من أهوى بليلٍ عواذلي * فقلن نرى شمساً وما طلع الفجرُ « 5 »
فإنّ لفظ « الشمس » مشترك بين جرمها وشعاعها الخارج عنها وليسا مرادين ، فيحمل على المجاز ، فيحتمل إرادة وجه الحبيب من حيث استدارته وإشراقه فيكون فيه مجازاً عن جرم الشمس ؛ لأنّه كذلك ، ويحتمل إرادة الإشراق والضياء الحاصلين عن الوجه ملاحظةً للشبه بنور الشمس فقط ، والحقيقتان متساويتان ، وكذلك مجازاهما فيصار إلى الترجيح .
وأمّا ما أُلغيت بالقرينة بعضه فإن اتّحد الباقي حمل عليه ، مثل قوله تعالى :
« وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي »
« 6 » ، وقوله :
« وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
« 7 » فإنّ لفظ « النفس »
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 39 .
( 2 ) . سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 161 ، ح 477 ؛ سنن أبي داود ، ج 1 ، ص 52 ، ح 203 .
( 3 ) . لم نعثر عليه .
( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 602 ، ضمن الرسالة 53 .
( 5 ) . ديوان المتنبّي ، ج 2 ، ص 475 .
( 6 ) . طه ( 20 ) : 41 .
( 7 ) . المائدة ( 5 ) : 116 .