فإنّ اللفظ صادق على ذاته باعتبار العلميّة ، وعلى صفته ، وهو كونه ذا سواد « 1 » ، ثمّ إنّ إطلاق لفظ « الأسود » على هذا الشخص وعلى القارّ بالتواطؤ ، إن أُريد كونه ذا سواد ؛ لتحقّق السواد فيه وفي القارّ ، وربما كان غير متفاوت ، وإن كان متفاوتاً قيل : بهما بالتشكيك ، وإن قصد اللقب - أي الاسم الموضوع علماً - كان صدقه عليه وعلى القارّ بالاشتراك ؛ لأنّ مفهومهما متباينان .
قال الرازي في المحصول :
لا يجوز اشتراك اللفظ بين وجود الشيء وعدمه ؛ لأنّ اللفظ الموضوع لا بدّ وأن يكون بحيث إذا أُطلق فهم منه شيء ما ، وإلّا لكان عبثاً ، وهذا اللفظ المشترك بين الوجود والعدم لا يفيد إلّاالتردّد بينهما ؛ وهو أمر معلوم قبل ذلك الوضع ، وقبل إطلاق اللفظ وبعدهما « 2 » .
وأجاب المصنّف : بأ نّه لو سلّم لم ينفِ وقوعه من واضعين ، وهو السبب الأكثري ، ويمكن وقوعه من واضع واحد . ونمنع عدم الفائدة ، فإنّ قوله « اعتدي بالأقراء » يفيدها أمراً لم يكن حاصلًا قبل إطلاق هذا اللفظ ، مع أنّ القَرْء مشترك بين الوجود والعدم « 3 » ، وكذا لو فرض وضع الألف له ولعدمه ، ثمّ قيل : علمت الألف ، أفاد تحقّقه أحد الطرفين ولم يكن حاصلًا قبل الإطلاق ، نعم قد تعرى في بعض الصور عن الفائدة ، كما لو قيل « هذه ذات قرء » ، ولكن لا يستلزم عدم الفائدة مطلقاً .
قال عبد الحميد :
وقد وقع وضع اللفظ لوجود الشيء وعدمه ك « عسعس » و « نهل » للعطش وزواله ، و « هجد » ل « نام » و « صلّى » و « رتوت الدلو » إذا أحكمت شدّه وإذا لم تحكمه أيضاً ، و « اختفى الحديث » أظهره ولم يظهره ، و « شتّتتُ القوم » جمعتهم وفرّقتهم « 4 » .
هامش
( 1 ) . في « مع » : كلفظ « الأسود » بالنسبة إلى شخصٍ ذي سواد يسمّى أسود ؛ فإنّ ذلك اللفظ صادق على ذاتهباعتبار اللقب ، وعلى صفته وهو كونه ذا سواد .
( 2 ) . المحصول ، ج 1 ، ص 267 .
( 3 ) . نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 1 ، ص 217 .
( 4 ) . لم نعثر على قوله ، ولا على من حكاه عنه .