قال عبد الحميد :
ما ذكره الرازي ليس المتنازع ؛ إذ محلّ النزاع استعمال اللفظ في مفهوميه لا في المجموع من حيث هو مجموع ، كلفظ « مَن » للعموم التي يراد بها أفراد العموم ، لا على أن يراد المفرد من حيث هو مفرد على توحّده والمفرد الآخر كذلك ، ثمّ المجموع من حيث هو على جمعيّته ؛ فإنّ الواضع لم يضع اللفظ لكلّ واحد على حدته - أي لا لغيره - بل ولا خطر ذلك بباله ، كقوله « جاء المسلمون » ، ليس يراد به جاء هذا المسلم لا غير ، وذاك المسلم لا غير ، فحينئذٍ يختار وضعه للمجموع كوضعه للأفراد « 1 » .
وقوله : « يكون مستعملًا في بعض مسمّياته » .
قلنا : ذلك البعض هو المتنازع .
لا يقال : لو فرض قائل قال بالاستعمال في المجموع وكلّ واحد يوجّه الدليل .
لأنّا نقول : إنّه أجرى الخلاف في المذكورين ، وهم لا يقولون بذلك .
واحتجّ المجيز بوجوه :
الأوّل : أنّ الصلاة من الله تعالى الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار ، وقد أُريدا بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ »
« 2 » .
الثاني : أنّ السجود يطلق على الخشوع والانقياد ووضع الجبهة ، وقد أُريدا بقوله تعالى :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ »
الآية « 3 » ، ولا جائز أن يراد به الخشوع في الناس ؛ لأنّه خصّص به كثيراً من الناس ، والخشوع عامّ في الجميع .
الثالث : لولاه لزم التحكّم والترجيح من غير مرجّح ، أو إخراج اللفظ عن الإفادة ؛ لأنّه لو لم يحمل على المجموع ، فإمّا أن يحمل على أحد تلك المعاني بلا قرينة مرجّحة فيلزم الأوّلان ، وإمّا أن لا يحمل على شيء منها ويلزم الثاني .
هامش
( 1 ) . لم نعثر على قوله ولا على مَن حكاه عنه .
( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 56 .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 18 .