أمكن التعبير بالآخر ، والتمكّن من الفصاحة إلى البلاغة في النظم والنثر ، ولقيام الشعر بأحد اللفظين دون الآخر كقول المتنبّئ « 1 » :
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني * وفرّق الهجر بين الجفن والوسنِ « 2 »
فإنّه لا ينفع الوزن ب « البعد » بدل « النوى » ، ولا ب « النوم » بدل « الوسن » ، ولا يحصل القافية ب « النوم » ، وكذا السجع ، وهو الكلام المقفّى .
والقلب كالفتح والحتف ؛ والتجانس وغيرها من أنواع البديع ، وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة ، وبالغاية الأُولى يراد التطبيق على مقتضى الحال ، وهو وظيفة علم المعاني ، وبالثانية علم البيان .
ومن جملة أقسام البديع مراعاة النظير ، وهو جمع أمر وما يناسبه لا بالنظار ، كقوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ »
« 3 » فإنّ « اللطيف » يناسبه « لا تدركه » ، و « الخبير » يناسبه « وهو يدرك » ، ويسمّى تناسب الأطراف .
ومنه : العكس والتبديل مثل « عادات السادات سادات العادات » .
ومنه : الإرصاد ، كقوله تعالى :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ »
« 4 » الآية ، فإنّه لمّا عرف أنّ الرويّ « 5 » هو « النون » من الآية السابقة ، وتلفّظ بقوله
« لِيَظْلِمَهُمْ »
عرف أنّ العَجُز « يظلمون » .
ومنه : الرجوع والتورية واللفّ والنشر والاستخدام ، وهذا جميعه بحث معنوي ، وهو وظيفة البلاغة ، وقد يكون لفظاً وهو وظيفة الفصاحة ، كالجناس والقلب وردّ العجز على الصدر مثل :
« وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ »
« 6 » .
هامش
( 1 ) . أبو الطيّب أحمد بن الحسين الكوفي الكندي ، المعروف بالمتنبّي ( 303 - 354 ه ) أحد مفاخر الأدب العربي ، تبارى الكتّاب قديماً وحديثاً في الكتابة عنه . الأعلام ، ج 1 ، ص 115 .
( 2 ) . مغني اللبيب ، ج 2 ، ص 294 ، الرقم 799 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 103 .
( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) : 40 .
( 5 ) . الرويّ : الحرف الذي تبنى عليه القصيدة . لسان العرب ، ج 14 ، ص 349 ، « روي » .
( 6 ) . الأحزاب ( 33 ) : 37 .