الثانية : أنّ الإجماع لا يكون ناسخاً ، خلافاً لعيسى بن أبان « 1 » والمرتضى « 2 » وبعض المعتزلة « 3 » .
لنا : لو كان ناسخاً لكان المنسوخ به إمّا نصّاً أو إجماعاً .
والأوّل محال ؛ لأنّ خلاف النصّ خطأ ، فالإجماع عليه يكون إجماعاً على الخطأ .
والثاني محال أيضاً ؛ لما تقدّم من لزوم كون أحدهما خطأً .
الثالثة : القياس لا يكون منسوخاً ولا ناسخاً عندنا ؛ لأنّه ليس بحجّة على ما يأتي ؛ لأنّ الثابت به ليس حكماً شرعيّاً فلا ينسخ وليس بدليل فلا ينسخ .
هذا إذا لم يكن منصوص العلّة ولم يكن الحكم في الفرع أقوى من الأصل ، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف ، وأمّا إذا كان أحدهما جاز كونه ناسخاً ومنسوخاً عند المصنّف ( طاب ثراه ) وموافقيه ، وأمّا عند الجمهور القائلين بأ نّه حجّة مطلقاً فجوّزوا نسخه بالنصّ في حياة الرسول عليه السلام وبعده بالإجماع ؛ لجواز نصّه على خلاف الحكم المستفاد من القياس السابق ، وكذا إذا اختلفت الأُمّة على قولين قياساً ثمّ أجمعت على أحدهما كان ذلك ناسخاً لذلك القياس .
وأمّا كون القياس ناسخاً فلا يجوز نسخه للنصّ ، ولا للإجماع اتّفاقاً ، ويجوز نسخه لقياس آخر ، كما لو اقتضى القياس حكماً مخصوصاً ، ثمّ نصّ الشارع على صورة مشاركة لمحلّ ذلك الحكم في وصف بما يناقض ذلك الحكم ونصّ على علّة ذلك الوصف ؛ فإنّه يكون ناسخاً للأوّل ، كما لو حكم بإباحة النبيذ قياساً على الدبس مثلًا ثمّ نصّ الشارع على تحريم الخمر لعلّة كونه مسكراً ، وهو وصف حاصل في النبيذ حكم بتحريمه ، وكان ذلك ناسخاً للحكم الأوّل .
هامش
( 1 ) . نقله عنه الرازي في المحصول ، ج 3 ، ص 357 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 145 .
( 2 ) . الذريعة إلى أُصول الشريعة ، ج 1 ، ص 456 - 457 .
( 3 ) . حكاه عنهم الآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 145 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 91 .