الثالث : نسخ الكتاب بخبر الواحد جائز عقلًا عند الأكثر القائل بحجّيّته ؛ لأنّهما دليلان . . . إلى آخره ، ولعدم المانع من أن يتعبّدنا الله برفع حكم متواتر بما يصل إلينا من أخبار الآحاد .
واختلفوا في وقوعه فمنعه المحقّقون سمعاً ، وجوّزه أهل الظاهر .
لنا : إجماع الصحابة على ترك خبر الواحد إذا عارض المتواتر من الكتاب والسنّة .
قال عليّ عليه السلام : « لا ندع كتاب ربّنا ولا سنّة نبيّنا بقول أعرابي بوّال على عقبيه » « 1 » .
وقال عمر : لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت « 2 » .
ويشكل بأنّ عليّاً عليه السلام وصف الراوي بما يدلّ على فسقه ، وعدم قبول خبر مثل هذا الراوي لا يدلّ على عدم قبول خبر العدل الثقة ، كما لو علّل بذلك ردّ شهادته ، ولأ نّه عليه السلام ردّ الخبر بعوارضه ، وهو يفيد كونه غير مردود لذاته ، وعمر علّل الردّ بكون المخبر امرأةً لا يدرى صدقت أم كذبت ، ولا يلزم من ذلك ردّ مطلق الخبر ، كما لو ردّ شهادتها .
احتجّ الظاهريّة بأ نّه يجوز تخصيص المتواتر من الكتاب والسنّة بخبر الواحد فكذا نسخهما ، والجامع رفع كلّ منهما بخبر مظنون ، ولأنّ فيه جمعاً بين الدليلين ، ولأنّ خبر الواحد دليل شرعي عارض المتواتر ، وهو متأخّر عنه ، فوجب تقدّمه عليه كغيره من الأدلّة الشرعيّة ، ولوقوعه في قوله تعالى :
« قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ »
« 3 »
هامش
( 1 ) . لم نعثر عليه في المصادر الروائيّة ، ولكن ورد في بعض المصادر الأُصوليّة . فراجع الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 133 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 87 .
( 2 ) . صحيح مسلم ، ج 2 ، ص 1119 ، ح 1480 / 46 مع اختلافٍ في العبارة .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 145 .