لنا : أنّه واقع فيكون جائزاً ، أمّا الثاني فظاهر ، وأمّا الأوّل ؛ فلأنّ التوجّه إلى بيت المقدس كان واجباً في ابتداء الإسلام ، وهو ثابت بالسنّة خاصّةً ؛ إذ ليس في القرآن العزيز ما يدلّ عليه ، وقد نسخ بقوله تعالى :
« فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ »
« 2 » .
فإن قلت : لِمَ لا يجوز استناد وجوب استقبال بيت المقدس إلى قرآن نُسِخَتْ تلاوته ، أو أنّه نُسِخَ بالسنّة ، والأمر باستقبال الكعبة لا ينافي ذلك ؟
قلت : هذا مخالف للأصل ، ولأنّ فتح هذا الباب يفضي إلى عدم العلم بالناسخ أصلًا .
ونُسخ تحريم المباشرة ليلًا - الثابت بالسنّة ؛ لعدم وجود ما يدلّ عليه في القرآن - بقوله تعالى :
« فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ »
« 3 » ، ولأنّ صوم عاشوراء كان واجباً بالسنّة كما ذكرناه ، ثمّ نُسخ بصوم شهر رمضان بقوله تعالى :
« فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ »
« 4 » .
ويشكل بأنّ الأمر بصوم شهر رمضان غير منافٍ لصوم عاشوراء ، فكيف يكون ناسخاً ؟ ! بل الناسخ في الحقيقة ما دلّ على ارتفاع حكمه ، سواء عيّن رمضان للبدليّة أو لا .
وجواز تأخير الصلاة في الحرب إلى انقضاء القتال كان ثابتاً بالسنّة ؛ ولهذا قال يوم الخندق - وقد أخّر الصلاة - : « حشى الله قبورهم ناراً » « 5 » ، وقد نسخ ذلك الجواز بوجوب صلاة الخوف الثابت بالقرآن « 6 » .
هامش
. نقله عنه الغزالي في المستصفى ، ج 1 ، ص 237 ؛ والرازي في المحصول ، ج 3 ، ص 340 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 135 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 144 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 187 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .
( 5 ) . مسند أحمد ، ج 1 ، ص 127 ، ح 592 ؛ وص 132 ، ح 618 ؛ صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 436 - 437 ، ح 627 / 203 - 629 / 207 ؛ سنن أبي داود ، ج 1 ، ص 112 ، ح 409 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 1 ، ص 224 ، ح 684 . وفي المصادر : « ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً » .
( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 239 .